وَقَوْلُهُ: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ اتِّخَاذَ وَلَدٍ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، يَقُولُ: لَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ
وَقَوْلُهُ: {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}
يَقُولُ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَعَمَّا أَضَافَ إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ مِنْ شِرْكِهِمْ {هُوَ اللَّهُ}
يَقُولُ: هُوَ الَّذِي يَعْبُدُهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَبْدًا، يَقُولُ: فَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا لَهُ مِلْكٌ، فَأَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَالْقَهَارُ لِخَلْقِهِ بِقُدْرَتِهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ مُتَذَلِّلٌ، وَمِنْ سَطْوَتِهِ خَاشِعٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَاصِفًا نَفْسَهُ بِصِفَتِهَا: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} يَقُولُ: يُغْشِي هَذَا عَلَى هَذَا، وَهَذَا عَلَى هَذَا، كَمَا قَالَ {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ}
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «يَحْمِلُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ»
عَنْ مُجَاهِدٍ: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ} قَالَ: «يُدَهْوِرُهُ»
عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «يَجِيءُ بِالنَّهَارِ وَيَذْهَبُ بِاللَّيْلِ، وَيَجِيءُ بِاللَّيْلِ، وَيَذْهَبُ بِالنَّهَارِ»
وَقَوْلُهُ: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لِعِبَادِهِ، لِيَعْلَمُوا بِذَلِكَ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ، وَيَعْرِفُوا اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ لِمَصْلَحَةِ مَعَاشِهِمْ {كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى}
يَقُولُ: {كُلُّ} ذَلِكَ يَعْنِي: الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ {يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى}
يَعْنِي إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُكَوَّرَ الشَّمْسَ، وَتَنْكَدِرَ النُّجُومُ.
وَقِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ لِكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنَازِلَ، لَا تَعْدُوهُ وَلَا تُقْصِرُ دُونَهُ {أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأفَعَالَ وَأَنْعَمَ عَلَى خَلْقِهِ هَذِهِ النِّعَمَ هُوَ الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ عَادَاهُ، الْغَفَّارُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ التَّائِبِينَ إِلَيْهِ مِنْهَا بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 20/}