[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
قال الجاحظ:
وقال ابن الأشعث لأصحابه، وهو على المنبر: قد علمنا إن كُنّا نَعْلم، وفهِمنا إن كنا نفهم، أنّ المؤمنَ لا يُلسَع من جحر مرتين، وقد واللّه لُسِعت بكم من جُحرٍ ثلاثَ مَرّات، وأنا أستغفِر اللّه من كلِّ ما خالف الإيمان، وأعتصمُ به من كل ما قارَبَ الكُفر، وأنا ذاكرٌ بعد هذا فَنّاً آخرَ من كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو الكلام الذي قلّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجَلَّ عن الصَّنعة، ونُزِّه عن التكلف، وكان كما قال اللّه تبارك وتعالى: قل يا محمد: {وَمَآ أَنَآ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} فكيف وقد عابَ التشديق، وجانب أصحاب التعقيب، واستعمل المبسوطَ في موضع البسط، والمقصورَ في موضع القصر، وهَجَر الغريبَ الوحشيَّ، ورغِبَ عن الهجين السُّوقيّ، فلم ينطِقْ إلا عن مِيراثِ حكمَةٍ، ولم يتكلَّم إلا بكلامٍ قد خُفَّ بالعصمة، وشُيِّد بالتأييد، ويُسِّرَ بالتوفيق، وهو الكلامُ الذي ألقَى اللّه عليه المحبّةَ، وغشَّاهُ بالقَبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبَيْن حُسنِ الإفهام، وقلّة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقِلّةِ حاجة السامع إلى معاوَدته، لم تسقط له كلمة، ولا زَلّت به قَدَم، ولا بارَتْ له حجَّة، ولم يَقُم له خَصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذُّ الخُطَبَ الطِّوال بالكلِم القِصار ولا يَلتمِس إسكاتَ الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتجُّ إلا بالصِّدق ولا يطلب الفَلْج إلا بالحق، ولا يستعين بالخِلابة، ولا يستعمل الموارَبة، ولا يهمِز ولا يَلْمِز، ولا يُبْطِئُ ولا يَعْجَل، ولا يُسْهِب ولا يَحْصَر، ثم لم يَسْمع الناسُ بكلامٍ قَطّ أعمَّ نفعاً، ولا أقصَدَ لفظاً، ولا أعدلَ وزناً، ولا أجملَ مذهباً، ولا أكرَم مطلباً، ولا أحسنَ موقعاً، ولا أسهل مخرجاً، ولا أفصح معنًى، ولا أبين في فحوَى، من كلامه صلى الله عليه وسلم كثيراً، قال:
ولم أرَهُم يذمُّون المتكلِّف للبلاغة فقطْ، بل كذلك يَرَون المتظرِّف والمتكلِّف للغِناء، ولا يكادون يضَعون اسمَ المتكلّف إلا في المواضع التي يذمُّونها، قال قيس بن الخطيم:
فما المالُ والأخلاقُ إلا مُعارةٌ ... فما اسْطَعتَ من معروفِها فتزوَّدِ
وإنِّي لأَغْنَى النّاس عن متكلّف ... يرى الناسَ ضُلاّلاً وليس بمهتدِ
وقال ابن قَميئة:
وحمَّال أثقالٍ إذا هي أعرضَتْ ... عن الأصْلِ لا يَسْطيعها المتكلِّفُ