قوله تعالى: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ...(17) .
من قولهم: (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ) وساحر وشاعر ومجنون وأساطير الأولين وكذاب ونحو هذا، يقول - عز وجل -: اصبر فإن
العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة، ثم أتبع ما تقدم من الذكر نوعا آخر منه
إرساله الرسل وذكر ما أرسلوا به وصبرهم على المحن وكرامتهم على الله - جلَّ جلالُه - يقول
-جل من قائل: قد أبلغتهم فخذ في ذكر آخر واصبر وانتظر.
(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ) يعني: القوة في العبادة وطاعة الله،
يقال من ذلك:"أيدك الله"بمعنى: قواك الله وأعانك، وهو التأييد، وأياد كل شيء: ما
يقوى به من جانبيه، والأواب: الرَّجاع بالتوبة وبالتسبيح والتقديس، كلما جاء العشي
والإشراق آب إلى التسبيح فيؤوب معه إلى ذلك الجبل، والطير تؤوب بتأويبه أي:
ترجع بترجيعه،"آب"أي: رجع إلى أفضل ما كان عليه قبل الأوبة، ولكثرة العرف
في ذلك قيل للمطيع: أوَّاب.
قوله تعالى: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ(18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ... (19) .
أخبر الصادق الحق أن للجمادات والبهائم تسبيح فوق
الذي ظهر منها للمعتبرين، يظهر من ذلك ما شاء لأصحاب المعجزات والكرامات،
يكون ذلك مستصحبًا لهم في الدار الآخرة.
قوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ(20) .
الحكمة: هي حكمه بما أمر به وسن له ليمتثله، (وَفَصْلَ الْخِطَابِ) والله أعلم: هو إصابة فصول
الخطاب ووجوه الصواب في اتصال الخطاب وانفصاله وتداخله في أثناء قصصه،
وجمع متفرق معاني كل خطاب إلى ما هو منه.
أتبع ذلك قوله - عز من قائل: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(30)
أثنى عليه بالتوب من الذنب.
قوله - جلَّ جلالُه -: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ...(35)
طلب - عليه السَّلام - ملكًا معجزًا يكون له آية على نبوته، فأعطاه سؤله وقد تقدم ذكره.
(فصل)