(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) }
إخواني أَلا ذُو سمع وبصر يعلم أَن الْأَعْمَار فِيهَا قصر ألا متلمح مَا فِي الْغَيْر من العبر ألا ذَاكر بَيت التُّرَاب والمدر
(تنبه فَإِن الدَّهْر ذُو فجعات ... وَشَمل جَمِيع صائر لشتات)
(نخلف مأمولاتنا وكأننا ... نسير إِلَيْهَا لَا إِلَى الغمرات)
(هَل الْمَرْء فِي الدُّنْيَا الدنية نَاظر ... سوى فقد حي أَو لِقَاء ممات)
(وَمَا حركات الدَّهْر فِي كل طرفَة ... بلاهية عَن هَذِه الحركات)
(سيسقى بَنو الدُّنْيَا كؤوس حتوفهم ... إِلَى أَن يَنَامُوا لَا مَنَام سبات)
(وَمَا فرحت نفس ببلوى وَقد رَأَتْ ... عظات من الْأَيَّام بعد عظات)
(إِذا بغتت أَشْيَاء قد كَانَ مثلهَا ... قَدِيما فَلَا تعتدها بغتات)
(وأعقب من النّوم التيقظ راشدا ... فَلَا بُد للنوام من يقظات)
يَا من يجول فِي الْمعاصِي قلبه وهمه يَا مُعْتَقدًا صِحَّته فِيمَا هُوَ سقمه يَا من كلما طَال عمره زَاد إثمه أَيْن لَذَّة الْهوى رَحل المطعوم وطعمه
يَا من سيجمعه اللَّحْد عَن قَلِيل ويضمه كَيفَ يوعظ من لَا يعظه عقله وَلَا فهمه كَيفَ يوقظ من قد نَام قلبه لَا عينه وَلَا جِسْمه
وَيحك تدارك أَمرك قبل الْفَوْت أتنفع الاستغاثة والسم قد وصل إِلَى الْقلب إِن الدرياق يصلح قبل اللسع وَمذهب ابْن سريج يسْتَعْمل قبل الطَّلَاق
لمن أحدث وَالْقلب غَائِب لمن أعاتب والفكر ذاهل وا أسفا من ضرب الْخراج على بلد خراب وَيحك أجماد أَنْت أم حَيَوَان هَذَا الفهد على خساسة خلقه يصاد بالصوت الْحسن وَمَتى وثب على الصَّيْد ثَلَاث مَرَّات وَلم يُدْرِكهُ غضب على نَفسه كم قد وَثَبت على هَوَاك مرّة فَلم تقدر عَلَيْهِ فَأَيْنَ غضبك على التَّقْصِير هَيْهَات لَيْسَ عِنْد الطاوس إِلَّا حسن الصُّورَة تفيق فِي الْمجْلس لَحْظَة ثمَّ تذكر الشَّهَوَات فيغمى عَلَيْك إِن الْغُرَاب إِذا سكر بشراب الْحِرْص تنقل بالجيف فَإِذا صَحا من خماره ندب على الطلل لما عزت نفس الببغاء زاحمت الآدمين فِي النُّطْق وَهِي تتَنَاوَل بكفها من جنس مطاعمهم
وَا عجَبا لبهيم يتشبه بِالنَّاسِ ولإنسان يتشبه بالبهيم كل هَذَا سَببه الهمة لَا يطعمن البطال فِي منَازِل الْأَبْطَال إِن لَذَّة الرَّاحَة لَا تتَنَاوَل بالراحة من زرع حصد وَمن جد وجد