(فصل: من بديع لغة التنزيل)
قال السامرائي:
سورة «ص»
1 -وقال تعالى: (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ(3) .
قالوا في «لات» :
هي لا المشبهة ب «ليس» زيدت عليها تاء التأنيث، كما زيدت على «ربّ» و «ثمّ» للتوكيد.
وتغيّر بذلك حكمها حيث لم تدخل إلّا على الأحيان، ولم يبرز إلا أحد مقتضييها، إمّا الاسم وإمّا الخبر، وامتنع بروزهما جميعا.
هذا مذهب الخليل، وتبعه سيبويه.
وعند الأخفش أنها «لا» النافية للجنس زيدت عليها التاء، وخصّت بنفي الأحيان.
هذا مجمل كلام ليس لنا أن نقبله بيسر، فما معنى قولهم إنّ «التاء» للتأنيث، وتاء التأنيث ساكنة مع الفعل، ومحركة بالحركات مع الاسم. وما معنى قولهم: إنها للتوكيد؟ وهل كل زيادة توكيد؟ وما معنى التوكيد؟
وما المؤكّد في ذلك؟ وإذا كانت للتأنيث فكيف يراد التوكيد؟ وما رأينا تاء للتأنيث تفيد التوكيد! وهل التاء في «ربّت» و «ثمّت» المفتوحتان للتأنيث والتوكيد؟
وأما اختصاصها بنفي الأحيان، فهذا قائم لأنها سمعت كذلك في لغة العرب.
ولعلّنا نستطيع أن نقول شيئا آخر في هذه التاء.
ومن ذلك تصوّرنا أن هذه «التاء» هي شيء من «ايت» السريانية. و «ايت»
السريانية هذه تعني «ايش» أي: الشيء في العربية. وقد ركبت مع «لا» فصارت «لا ايت» ، ثم خفّفت فصار «لات» ، واستعملت استعمالا خاصّا.
وهي نظير «ليس» الّتي قال الخليل بتركيبها من «لا أيس» أي: لا وجود.
وكنا قد شرحنا هذا الشيء بتفصيل في الكلام على قوله تعالى: (إِنِّي آنَسْتُ ناراً [طه: 10] .
ولنعد إلى «لات» لنقول: إن «ايت» بمعنى «شيء» بقي شيء منها في العربية، وذلك في مادة «أثث» . وإذا رجعنا إلى «أثاث» و «أثاثة» في المعجم، وجدنا أن عموم الدلالة فيهما يشير إلى أنها مطلق الشيء، ومن غير تخصيص، ثم جاء الاستعمال فقيّد وخصّص وصرفها إلى أشياء معيّنة.
وقد بقي لنا أن نقول: إن العرب ربما أدخلوا على «حين» التاء وقالوا:
لات حين بمعنى ليس حين.
وأما قول أبي وجزة:
العاطفون تحين ما من عاطف والمفضلون يدا إذا ما أنعموا فقال ابن سيده: قيل إنه أراد «العاطفون» مثل «القائمون» و «القاعدون» ، ثم زاد التاء في «حين» كما زادها الآخر في قوله:
نولّي قبل نأي داري جمانا وصلينا كما زعمت تلانا أراد الآن، فزاد التاء، وألقى حركة الهمزة على ما قبلها.