149 - {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} :
أَمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - في صدر هذه السورة الكريمة بتبكيت قريش وإِبطال مذهبهم في إِنكار البعث بطريق الاستفتاءِ في قوله - تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا} وساق البراهين الناطقة بأَنه سيتحقق لا محالة وبيَّن ما سوف يلقونه عند ذلك من فنون العذاب واستثنى منهم عباده المخلصين، وفصل - سبحانه - ما لهم من النعيم المقيم، ثم ذكر - سبحانه - أَنه قد ضلَّ مِنْ قبلهم أَكثر الأَوَّلين، وأَنه - تعالى - أَرسل إِليهم منذرين على وجه الإجمال، ثم أَورد قصص بعض الأَنبياءِ - عليهم السلام - بنوع تفصيل متضمنا كل منها ما يدل على فضلهم وعبوديتهم له - عز وجل - ثم أَمره - صلى الله عليه وسلم - بتبكيتهم بطريق الاستفتاءِ عن وجه ما زعموه من نسبة البنات إلى الله - تعالى - وقد قال بذلك
جهينة، وبنو سلمة، وخزاعة وغيرهم، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، فجعلوا لله الإِناث، ولأَنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهيتهم الشديدة لهنّ، ووأدهن، واستنكافهم من ذكرهنّ، وقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أَنواع من الكفر:
أحدها: التَّجْسيم لأَن الولادة مختصة بالأَجسام، والثاني: تفضيل أَنفسهم على ربهم حيث جعلوا أَقل الجنسين في نظرهم له، وأَرفعها لهم كما قال - تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} .
الثالث: أنهم استهانوا بالملائكة وهم أكرم خلق الله عليه، وأَقربهم إليه، حيث حكموا عليهم بالأُنوثة، ولو قيل لأَقلهم درجة وأَدناهم منزلة: فيك أُنوثة أَو نحوها لثار لكرامته، وللبس لقائله ثوب النمر.
150 - {أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ} :