[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال الحَلِيمي:
وأما دعوى هذا المحتج: أن إسحاق هو الذبيح فإنها غير ثابتة، لأن المسلمين من لدن الصحابة إلى الآن مختلفون في الذبيح من ابن إبراهيم صلوات الله عليه، وإلا ظهر أنه إسماعيل، لأن الله - عز وجل - أخبر عما أراه إبراهيم في منامه، وما كان منه، ومن آيته في الإسلام لأمره، وما تدار كفاية من رحمه، وقيضه له من الذبيح الذي قد أولده، وجزاه به بعد أن أطال من السلام والمباركة عليه، ثم قال بعد ذلك كله: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ} فدل هذا السياق على أن إسحاق لم يكن في ذلك الوقت مولوداً، فكيف يكون هو الذبيح؟
فإن قيل: إنما أراد وبشرناه بكون إسحاق نبياً، فإنما وقعت البشارة له بنبوته لا بكونه؟
قيل: إن قوله عز وجل: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً} فوجب أن تكون البشارة بنفسه أولاً ثم بنبوته.
فمن قصرها على النبوة، فقد أخل بمقتضى هذا الخبر.
وأيضاً فإن الله عز وجل: أخبر أنه لما صرف عن إبراهيم كيد أعدائه قال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} يعني الهجرة.
فإنه دعا فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينِ} فأجابه وبشره {بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} ثم وصف هذا الغلام الذي بشر به، فإنه لما بلغ معه السعي، فلما أسلم لأمر الله تعالى فيه إنقاذه، وتركه له وميزه مع ذلك بأن أخبر كما قال في قصة أيوب عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} .
ويؤكد هذا أنه لما قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينِ} لم يكن له يومئذ ولد.
فلما بشر بغلام حليم، لم يكن ذلك إلا عن إسماعيل، لا عن من يخلق بعد ولم يولد.
وقول الله عز وجل: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} ، يدل على أن المعنى فبشرناه بغلام يأمره بما يشق الصبر على مثله، فيحكم ولا يضطرب، وكذلك فعل.
لأنه لما قال: {يابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} .
فبان بهذا أن الخبر عن إسماعيل كان الذي بشر به من ذلك الوقت والله أعلم.
وأيضاً، فإن الأخبار تظاهرت بأن هذا الأمر كان بمكة وإسماعيل هو الذي أمر إبراهيم بإسكانه الحرم.
فأما إسحاق عليه السلام، فلا يذكر أنه دخل الحرم قط.