الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ يُونُسَ لَمُرْسَلٌ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَى أَقْوَامِهِمْ {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ}
يَقُولُ: حِينَ فَرَّ إِلَى الْفُلْكِ وَهُوَ السَّفِينَةُ الْمَشْحُونِ: وَهُوَ الْمَمْلُوءُ مِنَ الْحَمُولَةِ الْمُوقَرِ.
وَقَوْلُهُ: {فَسَاهَمَ}
يَقُولُ: فَقَارَعَ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «فَاحْتَبَسَتِ السَّفِينَةُ، فَعَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّمَا احْتَبَسَتْ مِنْ حَدَثٍ أَحْدَثُوهُ، فَتَسَاهَمُوا، فَقَرَعَ يُونُسُ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ»
وَقَوْلُهُ: {فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ}
يَعْنِي: فَكَانَ مِنَ الْمَسْهُومِينَ الْمَغْلُوبِينَ، يُقَالُ مِنْهُ: أَدْحَضَ اللَّهُ حُجَّةَ فُلَانٍ فَدَحُضَتْ: أَيْ أَبْطَلَهَا فَبَطَلَتْ، وَالدَّحْضُ: أَصْلُهُ الزَّلَقُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ،
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُمْ: دَحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ.
وَقَوْلُهُ: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ}
يَقُولُ: فَابْتَلَعَهُ الْحُوتُ؛ وَهُوَ افْتَعَلَ مِنَ اللَّقْمِ
وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ مُلِيمٌ}
يَقُولُ: وَهُوَ مُكْتَسِبٌ اللَّوْمَ، يُقَالُ: قَدْ أَلَامَ الرَّجُلُ، إِذَا أَتَى مَا يُلَامُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يُلِمْ، كَمَا يُقَالُ: أَصْبَحَ مُحْمِقًا مُعْطِشًا: أَيْ عِنْدَكَ الْحَمِقُ وَالْعَطَشُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
[البحر الكامل]
سَفَهًا عَذَلْتَ وَلُمْتَ غَيْرَ مُلِيمِ ... وَهَدَاكَ قَبْلَ الْيَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ
فَأَمَّا الْمُلِومُ فَهُوَ الَّذِي يُلَامُ بِاللِّسَانِ، وَيُعْذَلُ بِالْقَوْلِ
عَنْ قَتَادَةَ {وَهُوَ مُلِيمٌ} : «أَيْ فِي صُنْعِهِ»
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَهُوَ مُلِيمٌ} "وَهُوَ مُذْنِبٌ، قَالَ: وَالْمُلِيمُ: «الْمُذْنِبُ» [1] "
[1] الأولى مراعاة الأدب مع أنبياء الله ورسله - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ، والله أعلم.