الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا أَسْلَمَا أَمْرَهُمَا لِلَّهِ وَفَوَّضَاهُ إِلَيْهِ وَاتَّفَقَا عَلَى التَّسْلِيمِ لَأَمْرِهِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ.
عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ:"أَسْلَمَا جَمِيعًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَضِيَ الْغُلَامُ بِالذَّبْحِ، وَرَضِيَ الْأَبُ بِأَنْ يَذْبَحَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ اقْذِفْنِي لِلْوَجْهِ كَيْلَا تَنْظُرَ إِلَيَّ فَتَرْحَمُنِي، وَأَنْظُرَ أَنَا إِلَى الشَّفْرَةِ فَأَجْزَعُ، وَلَكِنْ أَدْخِلِ الشَّفْرَةَ مِنْ تَحْتِيَ، وَامْضِ لِأَمْرِ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ {نَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} "
عَنْ قَتَادَةَ {فَلَمَّا أَسْلَمَا} قَالَ: «أَسْلَمَ هَذَا نَفْسَهُ لِلَّهِ، وَأَسْلَمَ هَذَا ابْنَهُ لِلَّهِ»
وَقَوْلُهُ: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}
يَقُولُ: وَصَرَعَهُ لِلْجَبِينِ، وَالْجَبِينَانِ مَا عَنْ يَمِينِ الْجَبْهَةِ وَعَنْ شِمَالِهَا، وَلِلْوَجْهِ جَبِينَانِ، وَالْجَبْهَةُ بَيْنَهُمَا.
عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} قَالَ:"وَضَعَ وَجْهَهُ لِلْأَرْضِ، قَالَ: لَا تَذْبَحْنِي وَأَنْتَ تَنْظُرُ إِلَى وَجْهِي عَسَى أَنْ تَرْحَمَنِي، وَلَا تُجْهِزْ عَلَيَّ، ارْبِطْ يَدَيَّ إِلَى رَقَبَتِي ثُمَّ ضَعْ وَجْهِيَ لِلْأَرْضِ"
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُمِرَ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى فَسَابَقَهُ، فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلَ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوسْطَى، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَعَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَتِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرَ هَذَا، فَاخْلَعْهُ حَتَّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَالْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ أَعْيَنَ أَبْيَضَ فَذَبَحَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَتَّبِعُ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ الْكِبَاشِ"