أتبع ذلك قوله - جل ذكره: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ(83) .
أي: من شيعة نوح، ويمكن أن يكون المراد: من شيعة محمد صلوات الله وسلامه على
جميعهم، وشيعتهم واحدة قد جمعتهم كلمة التوحيد ودعاية الإسلام والنبوة
والرسالة، وإن اختلفت شعب ما في أثناء شرائعهم بحكمة لله - جل ذكره - في
ذلك لما رآه من المصلحة لأمة أمة، أو لما يكون عقوبة من أجل عتو واعتداء
أو تخفيف لضعف أو رضا عنهم.
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(84) . أي: من الشك
والشرك والغل والحسد والبغضاء، وغير ذلك من آفات النفوس المردية.
قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ(101) .
وقال في موضع آخر: فثرناه (بِغلامٍ علِيمٍ) العلم والحلم والعقل صفات للعالم، والحليم
والعاقل بالعقل يميز ما بين المعلومات، وبالعلم يعلم، وبالحلم يتأنى، ويكون منه
الصفح عن الجاني وتحمل الأذى والانتظار بأوائل الأمور حسن عواقبها، وبالعلم
أيضًا توضع الأشياء على أحسن مواضعها، وذلك كله من الأناة وترك الطيش ونبذ
العجلة واستعمال الروية.
قوله - عز وجل -: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ(88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)
كان النظر في النجوم من دينهم والمعهود من شأنهم ولما استنهضوه للسير إلى عيد
كان لهم، وقد كان عقد في نفسه أن يخالفهم إلى آلهتهم حتى يكسرها، ونذر ذلك
بقوله: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ(57) .(فَنَظَرَ نَظْرَةً
فِي النُّجُومِ)أي: على عاداتهم كانوا بذلك يدينون وعنها بزعمهم يأخدون علومهم،
ثم قال: (إِنِّي سَقِيمٌ(89) .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"في المعاريض مندوحة عن الكذب".
قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ(89) . مكر بهم ليصل إلى مراده من التبليغ والتبيين عن الله - جل
ذكره - أي: سأسقم، كما قال تعالى ذكره: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ(30)
يخبر بذلك عن المستقبل.
قوله: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ ...(91) . يعني: عدل مستندًا في عجله.