وقال الفراء:
سورة (ص)
{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ}
قوله: {ص وَالْقُرْآنِ ...}
جَزَمَها القراء، إلاّ الحَسَن فإنه خفضَهَا بلاَ نون لاجتماع السَّاكنين. كانت بمنزلة مَنْ قرأ {نُونَ والقلم} و {ياسينَ والقرآنِ الحَكيم} جُعلت بمنزلة الأداة كقولِ العرب: تركته (حاثِ باث) و (خَازِ بازِ) يُخفضان؛ لأن الذي يلى آخر الحرف ألِف. فالخفض مع الألف، والنصبُ مع غير الألِف. يقولون: تركته حَيْثَ بَيْثَ، ولأجعلنّك حَيْصَ بَيْصَ إذا ضُيّق عَلَيْهِ.
وقال الشاعر:
* لم يَلتحِصنى حَيْصَ بَيْصَ الحاصى *
يريد الحائِص فقلبَ كَمَا قَالَ: (عاقِ) يريد: عائِق.
وص فِي معنَاهَا كقولكَ: / ب وجبَ والله، ونزل والله، وحقّ والله. فهيَ جواب لقوله {والقرآن} كَمَا تقول: نزلَ والله. وقد زعم قوم أنّ جَوَاب {والقرآن} {إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تخاصُمُ أَهْلِ النارِ} وذلك كلام قد تأخّر تأخُّراً كثيراً عن قوله {والقرآن} جرت بينهما قِصص مختلِفة، فلا نَجد ذلكَ مُستقيماً فِي العربيَّة والله أعلم.
ويقال: إن قوله {وَالقرآنِ} يمين اعترض كلام دون مَوقع جوابها، فصَار جوابها جواباً للمعترِض ولهَا، فكأنه أراد: والقرآن ذي الذكر لكَمْ أهلكنَا، فلمّا اعترض قوله: {بل الذين كَفَرُوا فِي عِزَّة وشقاق} : صارت (كم) جَوَاباً للعزَّة ولليمين. ومثله قوله {والشَمسِ وضُحَاهَا} اعْترض دون الجواب قولُه {ونَفْسٍ وما سَوَّاها فألْهَمهَا} فصَارت {قد أفلح} تابعةً لقوله {فألهمها} وكفى من جَواب القسم، وكأنه كان: والشمس وضحَاهَا لقد أفلح.
{كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ}
وقوله: {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ...}
يقول: ليْسَ بحين فِرار. والنَوْص: التأخّر فِي الكلام العرب، والبَوْص: التقدم وقد بُصْته.
وقال امرؤ القيس:
أمِن ذكر ليلى إذ نَأَتكَ تَنُوص * وتَقْصُر عَنْهَا خُطوةً وتَبُوص