فقال: قد حكمت لي على نفسك؛ كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب.
قول أبي حنيفة - رضي الله عنه: لا أصلح لذلك؛ يعني: القضاء؛ أي: لا أرى نفسي صالحاً له، ولا آمن على نفسي أن تستقيم في الرضا والغضب، وفيما لو توجه الحكم على الخليفة فمن دونه أو على حاشيته.
وهذه من آفات القضاء، ولذلك امتنع منه كثير من السلف الصالحين لاستضعاف أنفسهم عنه، وخوفهم من الفتنة فيه.
وقد روى الترمذي: أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال لابن عمر: اذهب فاقض بين الناس.
قال: أوتعافيني يا أمير المؤمنين؟
قال: وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟
قال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"مَنْ كانَ قاضِياً يَقْضِي بِالْحَقِّ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كفافاً"؛ فما أرجو بعد ذلك؟
وفي رواية: فقال: لا أقضي بين رجلين.
قال: فإن أباك كان يقضي؟
قال: فإن أبي كان يقضي، فإن أشكل عليه شيء سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
فإن أشكل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل جبريل عليه السلام، وإني لا أجد من أسأله.
وقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَنْ عاذَ بِاللهِ تَعالَى فَقَدْ عاذَ"، وإني أعوذ بالله منك أن تجعلني قاضياً.
فأعفاه، وقال: لا تخبرن أحداً.
وروى البيهقي عن أيوب قال: وجدت أعلم الناس بالقضاء أشدَّ الناس منه فراراً، وأشدهم منه فَرَقاً.
ثم قال: وما كنت أدركت أحداً كان أعلم بالقضاء من أبي قلابة، وكان يراد على القضاء فنفر إلى الشام مرة، ونفر إلى اليمامة مرة، وكان إذا قدم البصرة كان كالمستخفي حتى يخرج.
وعن الشافعي - صلى الله عليه وسلم - قال: دخل سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه على أمير المؤمنين المنصور، فجعل يتجانن عليه ويمسح البساط، ويقول: ما أحسنه! بكم أخذتم هذا؟ ثم قال: البول! البول! حتى أُخرج؛ يعني: إنه احتال ليتباعد عنهم ويسلم من أمرهم.
وذكر الحافظ المزي في"تهذيب الكمال"عن مسعر رحمه الله تعالى قال: دعاني أبو جعفر ليوليني، فقلت: إن أهلي يقولون: لا نرضى اشتراءك لنا في شيء بدرهمين؛ وأنت توليني! أصلحك الله! إن لنا قرابةً وحقاً؛ فأعفاه.