قوله تعالى: {فاستفتهم}
أي سلهم يعني أهل مكة؛ مأخوذ من استفتاء المفتى.
{أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} قال مجاهد: أي من خلقنا من السماوات والأرض والجبال والبحار.
وقيل: يدخل فيه الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية.
يدلّ على ذلك أنه أخبر عنهم"بمَن"قال سعيد بن جبير: الملائكة.
وقال غيره:"مَنْ"الأمم الماضية وقد هلكوا وهم أشدّ خلقاً منهم.
نزلت في أبي الأشد بن كَلَدَة، وسمي بأبي الأشد لشدّة بطشه وقوّته.
وسيأتي في"البلد"ذكره.
ونظير هذه: {لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس} [غافر: 57] وقوله: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء} [النازعات: 27] .
{إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} أي لاصق؛ قاله ابن عباس.
ومنه قول عليّ رضي الله عنه:
تَعَلَّمْ فَإنّ الله زادكَ بَسطةً ...
وأخلاقَ خيرٍ كلُّها لكَ لاَزِبُ
وقال قتادة وابن زيد: معنى"لاَزِبٍ"لازق.
الماوردي: والفرق بين الّلاصق والّلازق أن الّلاصق: هو الذي قد لُصق بعضه ببعض، واللاّزق: هو الذي يلتزق بما أصابه.
وقال عِكرمة:"لاَزِبٍ"لزج.
سعيد بن جبير: أي جيد حرّ يلصق باليد.
مجاهد:"لاَزِب"لازم.
والعرب تقول: طينٌ لازِب ولازِم، تبدل الباء من الميم.
ومثله قولهم: لاتب ولازِم.
على إبدال الباء بالميم.
واللازب الثابت؛ تقول: صار الشيء ضَرْبةَ لازبٍ، وهو أفصح من لازم.
قال النابغة:
ولا تَحْسَبُونَ الخيَر لا شَرَّ بعدَهُ ... ولا تَحْسَبُونَ الشرَّ ضربةَ لاَزِبِ
وحكى الفرّاء عن العرب: طين لاتب بمعنى لازِم.
واللاتِب الثابت؛ تقول منه: لَتَب يَلْتُب لَتْباً ولُتُوباً، مثل لَزَب يَلْزُب بالضم لزوباً؛ وأنشد أبو الجرّاح في اللاتب:
فإن يَكُ هذا من نَبيذٍ شِربْتُهُ ... فإنِّي من شربِ النَّبيذِ لَتَائِبُ
صُدَاعٌ وَتَوْصيمُ العِظَامِ وفَتْرَةٌ ... وغَمٌّ مع الإشْرَاقِ في الْجَوفِ لاَتِبُ