الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ}
وَاخْتُلِفَ فِي الْإِنْسَانِ الَّذِي عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ.
عَنْ قَتَادَةَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمٍ حَائِلٍ، فَفَتَّهُ، ثُمَّ ذَرَّاهُ فِي الرِّيحِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ يُحْيِي هَذَا وَهُوَ رَمِيمٌ؟
قَالَ: «اللَّهُ يُحْيِيهِ، ثُمَّ يُمِيتُهُ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ النَّارَ» ؛ قَالَ: فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهِ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: أَوَلَمْ يَرَ هَذَا الْإِنْسَانُ الَّذِي يَقُولُ: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَسَوَّيْنَاهُ خَلْقًا سَوِيًّا {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ}
يَقُولُ: فَإِذَا هُوَ ذُو خُصُومَةٍ لِرَبِّهِ، يُخَاصِمُهُ فِيمَا قَالَ لَهُ رَبُّهُ إِنِّي فَاعِلٌ، وَذَلِكَ إِخْبَارٌ لِلَّهِ إِيَّاهُ أَنَّهُ مُحْيِي خَلْقِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ، فَيَقُولُ: مَنْ يُحْيِي هَذِهِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ إِنْكَارًا مِنْهُ لِقِدْرَةِ اللَّهِ عَلَى إِحْيَائِهَا.
وَقَوْلُهُ: {مُبِينٌ}
يَقُولُ: يُبَيِّنُ لِمَنْ سَمِعَ خُصُومَتَهُ وَقِيلَهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُخَاصِمٌ رَبَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ}
يَقُولُ: وَمَثَّلَ لَنَا شَبَهًا بِقَوْلِهِ: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} إِذْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَاءِ ذَلِكَ أَحَدٌ، يَقُولُ: فَجَعَلَنَا كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَاءِ ذَلِكَ مِنَ الْخَلْقِ {وَنَسِيَ خَلْقَهُ}