ثم يقول سبحانه واصفاُ حالهم، والعياذ بالله: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) } [يس]
قوله {الْيَوْمَ (65) } [يس] أي: يوم القايمة والجزاء {نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ (65) } [يس]
نصرب عليها فلا يستطيعون الكلام، فالأفواه مناط الكلام، وقبل أن يختم الله على أفواهم في الآخرة على قلوبهم في الدنيا، بالأمس ختم الله على القلوب فلا يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر، واليوم ختم الله على الأفواه ومنعهم الكلام، حتى لا يعتذرون ولا يستغفرون.
فالمقام هنا مقام حساب لا عمل، فلا جدوى من الاستغفار، ولا فائدة من الاعتذار، بل انتهى أوان الكلام والمنطق، ولم يعد للسان دور، اليوم تغلق الأفواه وتقيد الألسنة لتنطق الجوارح.
وتأمل بعدها: {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) } [يس] القياس كان يقتضي أن يقول الحق سبحانه {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ (65) } [يس]
ومثلها: وننطق أيديهم ونشهد أرجلهم، لكن السياق القرآني هنا مختلف، فبعد أن يختم الله على أفواهم تكلمنا أيديهم تطوعاً لا أمراً، وتشهد أرجلهم تطوعاً لا أمراً، فلم نقل للأيدي: تكلمي، ولم نقل للأرجل: اشهدي.
وإنما تطوعت هذه الجوارح بالشهادة، مع أنها هي نفس الجوارح التي بوشرت بها المعاصي والذنوب في الدنيا، ومع ذلك تشهد لا على نفسها، إنما على النفس الواعية التي أخضع الله لها الجوارح، وأمرها أن تسير وفق مرادها، ورهن إشارتها في الدنيا.
ونحن الآن في الآخرة، وقد تحررت الجوارح من تبعيتها للنفس الواعية، وأصبح الملك كله والتفويض كله لله تعالى/ فالآن تتكلم الجوارح بما تريد، وتشهد بما كان أمام الرب الأعلى سبحانه.