الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَيَعْنِي بِهَذِهِ النَّفْخَةِ، نَفْخَةَ الْبَعْثِ.
وَقَوْلُهُ: {فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ}
يَعْنِي مِنْ أَجْدَاثِهِمْ، وَهِيَ قُبُورُهُمْ، وَاحِدُهَا جَدَثٌ، وَفِيهَا لُغَتَانٍ، فَأَمَّا أَهْلُ الْعَالِيَةِ، فَتَقُولُهُ بِالثَّاءِ: جَدَثٌ، وَأَمَّا أَهْلُ السَّافِلَةِ فَتَقُولُهُ بِالْفَاءِ جَدَفٌ.
وَقَوْلُهُ: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ}
يَقُولُ: إِلَى رَبِّهِمْ يَخْرُجُونَ سِرَاعًا، وَالنَّسَلَانُ: الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ.
وَقَوْلُهُ: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لَمَّا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةَ الْبَعْثِ لِمَوْقِفِ الْقِيَامَةِ فَرُدَّتْ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى أَجْسَامِهِمْ، وَذَلِكَ بَعْدَ نَوْمَةٍ نَامُوهَا: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا}
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ نَوْمَةٌ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا} قَالَ: «الْكَافِرُونَ يَقُولُونَهُ»
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا} مَنْ أَيْقَظَنَا مِنْ مَنَامِنَا، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَعَثَ فُلَانٌ نَاقَتَهُ فَانْبَعَثَتْ، إِذَا آثَارُهَا فَثَارَتْ
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَنْ أَهَبَّنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا»