وقال الدكتور/ عبد العزيز عتيق:
سورة يس
(وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم، لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. وقد وضع قوله وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي مكان قوله «وما لكم لا تعبدون الذي فطركم» بدليل قوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ولولا أنه قصد ذلك لقال «الذي فطرني وإليه أرجع» .
(وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ)
فشبّه تبرّؤ الليل من النهار بانسلاخ الجلد عن الجسم المسلوخ، وذلك أنه لما كانت هوادي الصبح وأوائله عند طلوعه ملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ، وكان ذلك أولى من أن يقال: «يخرج» لأن السلخ أدلّ على الالتحام من الإخراج.
ومن محاسن التشبيه المضمر في الأمثال «الليل جنة الهارب» ، ومنه في الشعر قول المتنبي:
وإذا اهتزّ للندى كان بحرا ... وإذا اهتز للوغى كان نصلا
وإذا الأرض أظلمت كان شمسا ... وإذا الأرض أمحلت كان وبلا
فهنا أربعة تشبيهات، كلّ واحد منها تشبيه صورة بصورة وحسن في معناه.
ومن تشبيه المركب بالمركب مع إضمار الأداة، ما رواه معاذ بن جبل عن الرسول عند ما قال له: «أمسك عليك هذا» وأشار إلى لسانه، فقال معاذ: «أو نحن مؤاخذون بما نتكلم» ؟ فقال له الرسول: «ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكبّ الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟» . فقوله: حصائد ألسنتهم، من تشبيه المركب بالمركب، فإنه شبّه الألسنة وما تمضي فيه من الأحاديث التي يؤاخذ بها بالمناجل التي تحصد النبات من الأرض.
وهذا تشبيه بليغ عجيب لم يسمع إلا من النبي صلّى الله عليه وسلّم.
ومنه قول أبي تمام:
معشر أصبحوا حصون المعالي ... ودروع الأحساب والأعراض
فقوله «حصون المعالي» من التشبيه المركب، لأنه شبّه المعشر الممدوح في منعهم المعالي وحمايتها من أن ينالها أحد سواهم بالحصون في منعها من بها وحمايته.
وكذلك الشأن في تشبيههم بدروع الأحساب والأعراض.
(وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)
فتقديم المفعول «القمر» على الفعل هنا ليس من باب الاختصاص، وإنما هو من باب مراعاة نظم الكلام، ولو أنه قال: «وقدرنا القمر منازل» لما كان بتلك الصورة في الحسن.