وقال المؤيد بالله:
سورة يس
(وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ(9)
فيه تنبيه على ما هم عليه من التّمادي في ركوب الباطل، وإكبابهم على الجحود والكتمان لما جاءهم من الحقّ، وقطع للرجاء بخيرهم، وسد لطريقه؛ لأن من كان بين يديه سد، ومن خلفه سد وأغشى على بصره، تعطّل، فأنّى يكون له اهتداء إلى طريق الخير، وسلوك بسبيله، وهذا باب من فنّ البلاغة يقال له التخييل، وسنورد فيه حقائق وأمثلة شافية عند الكلام في معاني البديع وخصائصه.
(فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ(14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)
قال تعالى في المرة الأولى: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) لما أنكروا وكذبوا، وفي الثانية إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) تأكيدا بحرفين لما ازداد إنكارهم وتكذيبهم، ويسمى الأول من الأخبار «ابتدائيا» لما كان الغرض به مطلق الخبر من غير تعرض لما وراءه، ويسمى الثاني «طلبيا» لما كان المقصود به الطلب، فيؤكد تقريره في النفس ويوضحه، ويسمى الثالث «إنكاريا» لما كان المطلوب منه وجوب تأكيده بالحروف لأجل إنكاره.
(وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(22)
إلى قوله: (فَاسْمَعُونِ(35)
فموقع الاستئناف هو قوله تعالى (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) [سورة يس: 26] لأن ما هذا حاله من مظان السؤال، كأن سائلا قال كيف حال هذا الرجل الذي آمن بالله ولم يعبد إلها غيره وأخلص في عبادته عند لقاء ربه بعد التصلب في دينه والسخاء له بروحه، فقيل. «قيل ادخل الجنة» ، وطرح الجار والمجرور، ولم يقل: قيل له، لانصباب القصد إلى القول، لا إلى المقول له مع كونه معلوما، فلهذا لم يذكره من أجل ذلك، وله أمثلة كثيرة، وفيما ذكرناه تنبيه على ما عداه.
(وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ(37)