(فصل)
قال جمال الدين الحبيشي:
وَقد أفْصح الْقُرْآن الْكَرِيم بِأَن حَملته هم أهل الشّرف العميم وَأَنَّهُمْ الموصوفون بالتعظيم والاصطفاء والتكريم والنجاة من الْعَذَاب الْأَلِيم فضلا من الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
فَقَالَ سُبْحَانَهُ {ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب} أَي أعطينا الْقُرْآن {الَّذين اصْطَفَيْنَا} أَي الَّذين اخترنا {من عبادنَا}
قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين هم أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قسمهم ثَلَاث طَبَقَات ورتبهم على ثَلَاث دَرَجَات فَقَالَ سُبْحَانَهُ {فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات}
وَجعل كلهم فِي الْجنَّة بِحرْمَة الْقُرْآن وَكلمَة الْإِخْلَاص وَقد اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي معنى الظَّالِم والمقتصد وَالسَّابِق فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَرَأَ هَذِه الْآيَة {ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات بِإِذن الله}
فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم(أما السَّابِق فَيدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَأما المقتصد فيحاسب حسابا يَسِيرا
وَأما الظَّالِم لنَفسِهِ فَيحْبس فِي الْمَحْشَر ثمَّ الَّذين تلافاهم الله برحمته وهم الَّذين يَقُولُونَ الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن)
وَقَالَ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ سَابِقنَا أهل جهادنا وَمُقْتَصِدنَا أهل حَضَرنَا وَظَالِمنَا أهل بدونا
وَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا السَّابِق بالخيرات من مضى على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شهد لَهُ بِالْجنَّةِ والمقتصد من اتبع أَثَره من أَصْحَابه والظالم مثلي ومثلكم
وَقَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا السَّابِق المخلص والمقتصد الْمرَائِي والظالم الْكَافِر نعْمَة الله عَلَيْهِ غير الجاحد لَهَا وَقيل الظَّالِم لنَفسِهِ الَّذِي مَاتَ على كَبِيرَة وَلم يتب مِنْهَا والمقتصد الَّذِي لم يصب كَبِيرَة وَالسَّابِق الَّذِي لم يعْص الله والتائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ
وَعَن الْحسن رَحمَه الله السَّابِق من رجحت حَسَنَاته على سيئاته والمقتصد من اسْتَوَت حَسَنَاته وسيئاته والظالم الَّذِي ترجح سيئاته على حَسَنَاته