{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ}
يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الناس أنتم الفقراءُ إِلى الله} في دقائق الأمور وجليلها، في كل لحظة لا يستغني أحد عنه طرفة عين، ولا أقل من ذلك؛ إذ لا قيام للعبد إلا به، فهو مفتقر إلى الله، إيجاداً وإمداداً. قال البيضاوي: وتعريف الفقراء؛ للمبالغة في فقرهم، كأنهم لشدة افتقارهم، وكثرة احتياجهم، هم الفقراء دون غيرهم، وأن افتقار سائر الخلق بالإضافة إلى فقرهم غير مُعتد به، ولذلك قال: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} [النساء: 28] قلت: ويمكن أن يكون الحصر باعتبار الحق تعالى، أي: أنتم فقراء دون خالقكم، بدليل وصله بقوله: {والله هو الغنيُّ الحميدُ} .
وقال ذو النون رضي الله عنه: الخلقُ محتاجون إليه في كل نَفَسٍ، وطرفة، ولحظة، وكيف لا ووجودهم به، وبقاؤهم به؟ {والله هو الغنيُّ} عن الأشياء كلها، {الحميدُ} أي: المحمود بكل لسان. ولم يَسمِّهم بالفقر للتحقير، بل للتعظيم؛ لأن العبد إذا أظهر فقره لسيده الغني؛ أغناه عن أشكاله وأمثاله. وذكر «الحيمد» ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خَلْقه، والجواد المنعم عليهم؛ إذ ليس كلّ غنيّ نافعاً بغناه، إلا إذا كان الغنيُّ جواداً منعماً، وإذا جاد وأنعم، حمده المُنعَم عليهم.