الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى} عَنْ دَيْنِ اللَّهِ الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَالْبَصِيرُ} الَّذِي قَدْ أَبْصَرَ فِيهِ رُشْدَهُ، فَاتَّبَعَ مُحَمَّدًا وَصَدَّقَهُ، وَقَبِلَ عَنِ اللَّهِ مَا ابْتَعَثَهُ بِهِ {وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ}
يَقُولُ: وَمَا تَسْتَوِي ظُلُمَاتُ الْكُفْرِ، وَنُورُ الْإِيمَانِ، {وَلَا الظِّلُّ} قِيلَ: وَلَا الْجَنَّةُ {وَلَا الْحَرُورُ} قِيلَ: النَّارُ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ: وَمَا تَسْتَوِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ؛ وَالْحَرُورُ بِمَنْزِلَةِ السِّمُومِ، وَهِيَ الرِّيَاحُ الْحَارَّةُ
عَنْ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ
وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَرُورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالنَّهَارُ مَعَ الشَّمْسِ.
وَأَمَّا الْفَرَّاءُ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْحَرُورُ يَكُونُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالسَّمُومُ لَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالنَّهَارِ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي، أَنَّ الْحَرُورَ يَكُونُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِأَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَشْبَهُ مَعَ الشَّمْسِ، لِأَنَّ الظِّلَّ إِنَّمَا يَكُونُ فِي يَوْمٍ شَمِسٍ، فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْحَرُورِ: الَّذِي يُوجَدُ فِي حَالِ وُجُودِ الظِّلِّ
وَقَوْلُهُ: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ}
يَقُولُ: وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ الْقُلُوبُ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَعْرِفَةِ تَنْزِيلِ اللَّهِ، وَالْأَمْوَاتُ الْقُلُوبُ لَغَلَبَةِ الْكُفْرِ عَلَيْهَا، حَتَّى صَارَتْ لَا تَعْقِلُ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَلَا تَعْرِفُ الْهُدَى مِنَ الضَّلَالِ؛ وَكُلُّ هَذِهِ أَمْثَالٌ ضَرَبَهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْإِيمَانِ، وَالْكَافِرِ وَالْكُفْرِ.