{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) }
ثم ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه، ومزيد حاجتهم إلى فضله، فقال: {يا أَيُّهَا الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله} أي: المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا، فهم الفقراء إليه على الإطلاق، و {هُوَ الغنى} على الإطلاق {الحميد} أي: المستحقّ للحمد من عباده بإحسانه إليهم.
ثم ذكر سبحانه نوعاً من الأنواع التي يتحقق عندها افتقارهم إليه، واستغناؤه عنهم، فقال: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أي: إن يشأ يفنكم، ويأت بدلكم بخلق جديد يطيعونه، ولا يعصونه، أو يأت بنوع من أنواع الخلق، وعالم من العالم غير ما تعرفون {وَمَا ذلك} إلاّ ذهاب لكم، والإتيان بآخرين {عَلَى الله بِعَزِيزٍ} أي: بممتنع، ولا متعسر، وقد مضى تفسير هذا في سورة إبراهيم {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} أي: نفس وازرة، فحذف الموصوف للعلم به، ومعنى تزر: تحمل.
والمعنى: لا تحمل نفس حمل نفس أخرى، أي: إثمها بل كل نفس تحمل وزرها، ولا تخالف هذه الآية قوله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] ؛ لأنهم إنما حملوا أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، والكلّ من أوزارهم، لا من أوزار غيرهم، ومثل هذا حديث:"من سنّ سنة سيئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"فإن الذين سنّ السنة السيئة إنما حمل وزر سنته السيئة، وقد تقدّم الكلام على هذه الآية مستوفى.
{وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا} قال الفرّاء: أي: نفس مثقلة، قال: وهذا يقع للمذكر، والمؤنث.