[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ(10)
المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان: مكر محمود: وذلك أن يتحرى فعلا جميلا، قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ومكر مذموم: وهو أن يصرف الغير عما يريده من الخير بحيلة أو يتحرى فعلا قبيحا قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) . ذكر ذلك الراغب الأصفهاني.
وذكر أبو حيان والزمخشري والجمل: (مكر) لازم. والسيئات: نعت لمصدر محذوف أي المكرات السيئات أو ضمن يمكرون معنى يكسبون فنصب السيئات"مفعولا به".
وجوز الآلوسي أن يكون السيئات مفعولا على تضمين (يقصدون أو يكسبون) .
أقول: مكر: فعل لازم عدَّاه الحكيم سبحانه توصيلا إلى إدراك أنحائه ومراميه، وسياق الآيات يشي بتضمين معنى (يحيكون) . إن الذين يدبرون السيئات يحيكون خيوطها طلبا للعزة الكاذبة والغلبة الموهومة، فإن مكرهم وتدبيرهم وحياكتهم سوف تنتهي إلى بوار وخسران، فليس طريق العزة صناعةَ سيئاتٍ، لإيذاء المؤمنين والمؤمنات. ولا عنادا يستكبر على الحق، ويتشامخ بالباطل، ولا طغيانا فاجراً يضرب في عتو وجبروت يحارب اللَّه ورسوله، ولا اندفاعا باغيا يخضع للنزوة ويذلّ للشهوة، ولا قوة عمياء تحقق عزة موهومة، لأن نهايته إلى بوار وإلى العذاب الشديد.
يوم كانت السيادة لقريش على سائر القبائل قال بعض مَن آمن (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) فجاء الجواب: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) وهذه الحقيقة كفيلة بتعديل القيم والموازين، وتعديل النهج والسلوك، وتعديل الوسائل والمناهج. ويكفي أن تستقر في القلب لتقف بك أمام الدنيا كلها عزيزا ثابتا لا تحني رأسك لمخلوق أو وضع أو حُكم أو دولة أو سلطان. لماذا؟ لأن العزة لله ولا يفوز بها أحد بغير رضاه. وأسباب العزة ووسائلها: العمل الطيب، والعمل الصالح فيُكرم صاحبهما ويُمنح العزة والاستعلاء.