{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا}
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قلت: {أولِي} : اسم جمع، كذُو، وهو بدل من «رسلاً» ، أو نعت له، و {مثْنَى وثُلاثَ ورُباع} : نعوت لأجنحة، وهو غير منصرف؛ لأنه معدول عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وهو باعتبار الأشخاص، أي: منهم مَن له اثنان، ومنهم مَن له ثلاثة، هذا ظاهر الكشاف.
يقول الحق جلّ جلاله: {الحمدُ لله} ، حمد نفسه؛ تعليماً وتعظيماً، {فاطرِ السماواتِ والأرض} مبديهما ومبدعهما. قال ابن عباس رضي الله عنه: «ما كنت أدري معنى فاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها» . قال البيضاوي: من الفطر، بمعنى الشق، كأنه شق العدم بإخراجهما منه. قلت: وكأنه شق النور الكثيف من النور اللطيف، فنور السماوات والأرض من نوره الأزلي، وسره الخفي. {جاعلِ الملائكةِ رسلاً} إلى عباده، أي: وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده، فيُبلغون إليهم رسالاته بالوحي، والإلهام، والرؤيا الصادقة. {أُولي أجنحةٍ} متعددة {مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع} أي: منهم ملائكة لهم اثنان؛ لكل واحد جناحان، ومنهم مَن له ثلاثة، ومنهم مَن له أربعة، بتفاوت ما لهم من المراتب، ينزلون بها، ويعرجون، أو: يُسرعون نحو ما وكلهم الله عليه، يتصرفون فيه على ما أمرهم به، ولعله تعالى لم يرد الحصر ونفى ما زاد عليها، لِمَا رُوي أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل ليلة المعراج، وله ستمائة جناح. وَرُويَ أنه طلب منه أن يريه صورته التي خلقه اللهُ عليها، فلما رآه كذلك خرّ مغشِياً عليه. وقال: ما كنت أرى شيئاً من الخلق هكذا. فقال له: لو رأيت إسرافيل، إِنَّ له لاثني عشر جناحاً بالمشرق، واثني عشر جناحاً بالمغرب، وإنَّ العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل لعظمة الله تعالى. اهـ