قال - عليه الرحمة:
{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}
{أَوْرَثْنَا} : أي أعطينا الكتاب - أي القرآن - الذين اصطفينا من عبادنا، وذكر الإعطاءَ بلفظِ الإِرثِ توسُّعاً.
{اصْظَفَيْنَا} : أي اخترنا. ثم ذكر أقسامَهم، وفي الخبر أنه لمَّا نزلت هذه الآية قال عليه السلام:"أمتي وربِّ الكعبة"ثلاث مرات.
وفي الآية وجوهٌ من الإشارة: فمنها أنه لمَّا ذكر هذا بلفظ الميراثِ فالميراثُ يقتضى صحة النَّسَبِ على وجهٍ مخصوص، فَمَنْ لا سبَبَ له فلا نَسَبَ له، ولا ميراثَ له.
ومحلُّ النَّسبِ ها هنا المعرفة، ومحلُّ السبب الطاعة. وإن قيل محلُّ النَّسبِ فَضْلُه، ومحل السبب فِعْلُك؛ فهو وَجْهٌ. ويصحُّ أن يقال محلُّ النسبِ اختياره لك بدءاً ومحلُّ السببِ إحسانُه لك تالياً.
ويقال أهلُ النسب على أقسام: - الأقوى، والأدنى كذلك في الاستحقاق.
ويقال جميع وجوه التملُّك لا بُدَّ فيها من غِعْل للعبد كالبيع، أَمَّا ما يُمْلَك ُ بالهِبَةَ فلا يحصل إلا بالقبول والقسمة، ولا يحصل الاستحقاق إلا بالحضور والمجاهدة وغير ذلك. والوصية لا تُسْتَحقُّ إلا بالقبول، وفي الزكاة لا بُدَّ من قبول أهل السُّهْمَانِ، والميراث لا يكون فيه شيء من جهة الوارث وفعله، والنَّسبُ ليس من جملة أفعاله.
ويقال الميراث يُسْتَحقُّ بوجهين: بالفرض والتعصيب، والتعصيبُ أقوى من الفرض؛ لأنه قد يستحق به جميع المال، ثم الميراث يبدأ بذوي الفروض ثم ما يتبقى فللعَصَبَةِ.
{فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} : تكلموا في الظالم، فمنهم من قال هو الأَفضل، وأرادوا به من ظَلَمَ نَفْسَه لكثرة ما حَمَّلَها من الطاعة.