الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {يس} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: يَا رَجُلُ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، {يس} قَالَ: «يَا إِنْسَانُ، بِالْحَبَشِيَّةِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مِفْتَاحُ كَلَامٍ افْتَتَحَ اللَّهُ بِهِ كَلَامَهُ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «كُلُّ هِجَاءٍ فِي الْقُرْآنِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ»
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِيمَا مَضَى فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَتَكْرِيرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَوْلُهُ: {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}
يَقُولُ: وَالْقُرْآنِ الْمُحْكَمِ بِمَا فِيهِ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَبَيِّنَاتِ حُجَجِهِ {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِقْسَمًا بِوَحْيِهِ وَتَنْزِيلِهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَمَنِ الْمُرْسَلِينَ بِوَحْيِ اللَّهِ إِلَى عِبَادِهِ
وَقَوْلُهُ: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
يَقُولُ: عَلَى طَرِيقٍ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ مِنَ الْهُدَى، وَهُوَ الْإِسْلَامُ.
وَفِي قَوْلِهِ: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى اسْتِقَامَةٍ مِنَ الْحَقِّ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ عَلَى مِنْ قَوْلِهِ {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} مِنْ صِلَةِ الْإِرْسَالِ وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مُبْتَدَأً، كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينِ، إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) }
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ) بِرَفْعِ تَنْزِيلَ، وَالرَّفْعُ فِي ذَلِكَ يَتَّجِهُ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: بِأَنْ يُجْعَلَ خَبَرًا، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّهُ تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ.
وَالْآخَرُ: بِالِابْتِدَاءِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، هَذَا تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ