ومن لطائف ونكات العز بن عبد السلام:
سورة يس (36)
الذي وقع في الكتاب العزيز احتجاجًا للكفار وإثباتًا لنبوة النبي عليه السلام يشكل، لأنهم ينكرونه، فضلاً عن أن يعترفوا بكونه حجة، نحو قوله تعالى: {يس} {والقرآن الحكيم} {إنك لمن المرسلين} (36: 1، 2، 3) وقوله: {حم} {والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا} .
والجواب: أن هذه الأشياء ليست حججا، بل القسم موضوع في لسان العرب لتأكيد المقسم عليه والاهتمام به، وتعظيم المقسم به. فإن قيل قد جعله الشرع حجة في المحكامات. قلنا: بل هو مرجح، لأن الحالف ذمته برئت بالأصل، فيؤكدها به وكيف يكون حجة، والحجة إما برهانية، أو إلزامية، ولا واحدة منهما.
قوله عز وجل: {ولا الليل سابق النهار} (36: 40) .
فيه إشكال، لأن الليل سابق النهار، والليلة قبل اليوم بإجماع.
والجواب: أن قوله تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} (36: 40) معناه تدرك القمر في سلطانه، وهو الليل، أي لا تجيء الشمس في أثناء الليل، فقوله بعد هذا:"ولا الليل سابق النهار"، أي لا يأتي الليل في بعض سلطان الشمس، وهو النهار. وبين الجملتين مقابلة.
فإن قيل: قوله: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} مشكل على هذا، لأن الإيلاج هو إدخال الشيء، وهذا البحث ينافيه.
والجواب: أن معنى الآية على المشهور: أن الله يزيد في الليل في زمن الشتاء مقدارًا من النهار، ويزيد في النهار في الصيف مقدارًا من الليل. وتقدير الآية: يولج بعض مقدار الليل. وتقدير الآية: يولج بعض مقدار الليل في النهار وبعض مقدار النهار في الليل.
وعلى غير المشهور يكون المعنى: يجعل الليل في المكان الذي كان فيه النهار، ويجعل النهار في المكان الذي كان فيه الليل. [وما من بقعة من بقاع الأرض إلا وهي كذلك، تارة يكون فيها الليل] وتارة يكون فيها النهار. وتقدير الكلام: يولج النهار في مكان الليل، ويولج الليل في مكان النهار. انتهى انتهى {فوائد في مشكل القرآن، للعز بن عبد السلام. ص/ 214 - 216} ...