(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) }
(افتح عين الفكر في ضوء العبر)
رأيت جماعة من الخلق يتعللون بالأقدار، فيقول قائلهم: إن وفقت فعلت، وهذا تعلل بارد، ودفع للأمر بالراح.
وهو يشير إلى رد أقوال الأنبياء والشرائع جميعها.
فإن لو قال كافر للرسول: إن وفقني أسلمت. لم يجبه إلا بضرب العنق.
وهذا جنس قول الناس لعلي رضي الله عنه: ندعوك إلى كتاب الله فقال: كلمة حق أريد بها باطل.
وكذلك قول الممتنعين عن الصدقة {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} .
ولعمري إن التوفيق أصل الفعل، ولكن التوفيق أمر خفي. والخطاب بالفعل أمر جلي.
فلا ينبغي أن يتشاغل عن الجلي بذكر الخفي.
ومما يقطع هذا الاحتجاج أن يقال لهذا القائل: إن الله سبحانه لم يكلفك شيئاً إلا وعندك أدوات ذلك الفعل ولك قدرة عليه.
فإن كانت القدرة عليه معدومة والأدوات غير محصلة فلا أمر ولا تكليف.
وإن كنت تسعى بتلك الأدوات في تحصيل غرضك وهواك، فاسع بها في إقامة مفروضك.
مثال ذلك: أنك تسافر في طلب الربح، وتسأل الحج فلا تفعل، ويثقل عليك الانتباه بالليل. فلو أردت الخروج إلى العيد انتبهت سحراً.
وتقف في بعض أغراضك مع صديق تحادثه ساعات فإذا وقفت في الصلاة استعجلت وثقل عليك.
فإياك إياك أن تتعلق بأمر لا حجة لك فيه. ثم من نصيبك ينقص، ومن حظك يضيع، فإنما تحرك لك، وإنما تحرض لنفعك.
فبادر فإنك مبادر بك. ومما يزيل كسلك - إن تأملته - أن تتخايل ثواب المجتهدين وقد فاتك.
ويكفي ذلك في توبيخ المقصر إن كانت له نفس. فأما الميت الهمة. فما لجرح بميت إيلام.
كيف بك إذا قمت من قبرك وقد قربت نجائب النجاة لأقوام وتعثرت، وأسرعت أقدام الصالحين على الصراط وتخبطت.
هيهات، ذهبت حلاوة البطالة، وبقيت مرارة الأسف، ونضب ماء كأس الكسل، وبقي رسول الندامة!.
وما قدر البقاء في الدنيا بالإضافة إلى دوام الآخرة؟.
ثم ما قدر عمرك في الدنيا ونصفه نوم، وباقيه غفلة؟.
فيا خاطباً حور الجنة وهو لا يملك فلساً من عزيمة، افتح عين الفكر في ضوء العبر لعلك تبصر مواقع خطابك.