(وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ(28)
ثم بين - سبحانه - ما نزل بأصحاب القرية من عذاب أهلكهم فقال: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ: أي: من بعد موته.
مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لأنهم كانوا أحقر وأهون من أن نفعل معهم ذلك.
وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أي: وما صح وما استقام في حكمتنا أن ننزل عليهم جندا من السماء، لهوان شأنهم، وهوان قدرهم.
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً أي: ما كانت عقوبتنا لهم إلا صيحة واحدة صاحها بهم جبريل بأمرنا.
فَإِذا هُمْ خامِدُونَ أي: هامدون ميتون، شأنهم في ذلك كشأن النار التي أصابها الخمود والانطفاء، بعد أن كانت مشتعلة ملتهبة، يقال. خمدت النار تخمد خمودا. إذا سكن لهيبها، وانطفأ شررها، وخمد الرجل - كقعد - إذا مات وانقطعت أنفاسه.
وهكذا كانت نهاية الذين كذبوا المرسلين، وقتلوا المصلحين، فقد نزلت بهم عقوبة الله - تعالى - فجعلتهم في ديارهم جاثمين.
وبعد أن بين - سبحانه - سوء مصارع المكذبين، أتبع ذلك بدعوة الناس إلى الاتعاظ بذلك من قبل فوات الأوان، فقال - تعالى -: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
والحسرة: الغم والحزن على ما فات، والندم عليه ندما لا نفع من ورائه، كأن المتحسر قد انحسرت عنه قواه وذهبت، وصار في غير استطاعته إرجاعها.
و «يا» حرف نداء. و «حسرة» منادى ونداؤها على المجاز بتنزيلها منزلة العقلاء.
والمراد بالعباد: أولئك الذين كذبوا الرسل، وآثروا العمى على الهدى، ويدخل فيهم دخولا أوليا أصحاب تلك القرية المهلكة.
والمقصود من الآية الكريمة، التعجب من حال هؤلاء المهلكين، وبيان أن حالهم تستحق التأثر والتأسف والاعتبار، لأنها حالة تدل على بؤسهم وظلمهم لأنفسهم وجهلهم.