ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
سورة يس
{عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) }
فإن قلت: أيُّ حاجة إلى قوله: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) } ، ومن المعلوم أن الرسل لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟
قلتُ: فائدته وصف الشرع بالاستقامة صريحًا، وإن دل عليه لمن المرسلين التزامًا، فجمع بين الوصفين في نظام واحد، كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت استقامته، وقد نكره ليدل له على أنه أرسل من بين الصراط على صراط مستقيم لا يوازيه صراط، ولا يكتنه وصفه في الاستقامة، فالتنكير للتفخيم، كما سيأتي.
{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) }
فإن قلت: لِمَ قدَّم هنا {مِنْ أَقْصَى} على {رَجُلٌ} ، وأخره عنه في سورة القصص؟
قلت: خالف بين الموضعين بالتقديم والتأخير تفننًا في البلاغة, وهو من المحسنات البديعية اللفظية.
{وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) }
فإن قلت: كيف أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع الذي هو البعث إليهم مع علمه بأن الله فطرهم وإياه، وإليه يرجع هو وهم، فلم يقل: الذي فطرنا وإليه نرجع، أو: فطركم وإليه ترجعون؟
قلت: لأن الخلق والإيجاد نعمة من الله تعالى، توجب الشكر، والبعث بعد الموت للجزاء وعيد من الله يوجب الزجر، فأضاف ما يقتضي الشكر إلى نفسه؛ لأنه أليق بإيمانه، وما يقتضي الزجر إليهم؛ لأنه أليق بكفرهم.
{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) }
فإن قيل: كما لم ينزل عليهم جندًا من السماء، لم يرسل إليهم جندًا من الأرض أيضًا، فما فائدة قوله: {مِنَ السَّماءِ} ؟
فالجواب: أنه ليس للاحتراز، بل لبيان أن النازل عليهم من السماء لم يكن إلا صيحةً واحدة أهلكتهم بأسرهم؛ أي: ليسوا بأحقّاء بأن ننزل لإهلاكهم جندًا من السماء.
{وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) }
وخصهما بالذكر لأنهما أعلى الثمار، وأنفعها للعباد.
فإن قلت: لم ذكر النخيل دون التمور حتى يطابق الحب والأعناب في كونها مأكولة، لأن التمور والحب والأعناب كلها مأكولة دون النخيل؟