في كثير من الحالات تفقد العبارات معانيها ، وعند ذلك يصير الكلام يسمع ولا يفهم ، وفقدان المعنى ، قد يكون بسبب السامع ، كمن ينشد شعراً بليغاً أمام عامي جاهل ، فإنه لا يطرب له ، ولا ينفعل معه ، ومن ثم يعرض عنه ، وربما كان الكلام الغث عنده أفضل من الكلام البليغ المعجز ، أو الموزون المقفى ، وفي هذه الحالة يفقد الكلام معناه ، وقد يكون فقدان المعنى بسبب المتكلم ، كمن يستشهد بشعر عنترة أو عمرو في الملاحم ، ليدلل به على شجاعته وفروسيته ، وهو عند الناس ممن ترتعد فرائصه ، وتخور قواه ، لأدنى هزة ، وأبسط سبب .
فليست العبرة أن يقول الإنسان الكلمة ، ولكن العبرة أن تقع الكلمة موقعها من المتكلم والسامع ، وإلاَّ فهي كما قال المتنبي:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلي مضر كوضع السيف في موضع الندى
لقد كان الإمام الشافعي - رحمه الله - من كبار أئمة المسلمين في جميع جوانب العلوم الإسلامية ، دون مدافع أو منازع ، ولقد سما به علمه ، حتى فاق أقرانه وأساتذته ومعاصريه والمتقدمين عليه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
فلم يكن كغيره من العلماء عالماً لغة العرب على نحو ما يعلمه الناس من اللغة ، بل كان حجة فيها ، فكان علماء العربية يجلسون إليه ويتنافسون في نقل كلامه ، حتى قال عبد الملك بن هشام صاحب المغازي ، وإمام أهل عصره في اللغة والنحو:"الشافعي حجة في اللغة"وكان إذا شك شيء من اللغة بعث إلى الشافعي فسأله عنه .
وقال الإمام أبو عبيد:"الشافعي ممن تؤخذ عنه اللغة".
وقال المازني:"الشافعي عندنا حجة في النحو".
وكان الأصمعي على جلالة قدره ، وعلو منزلته في لغة العرب يقول:"صححت أشعار الهذليين على شاب من قريش بمكة ، يقال له: محمد بن إدريس".
وقال الجاحظ:"عجبت لهذا المطلبي كأن فاه ينظم دراً إلى در".
وقال صاحب القاموس في مادة"نذر"والنذارة النذير ، في لغة الشافعي .