وليت الأمر وقف عند هذا أيضاً ، إلاَّ أنه تجاوزه إلى تجهيل السلف ، والطعن عليهم وقذفهم بما لا يليق ، مما لا يقبله أقران السوء بعضهم في بعض .
تجد أحدهم يفتي بما يخالف به كل الأمة ، دون أن يشير إليها ، وكأنه يترفع عن أن يذكر اسمه معها وقد ملأ الغرور يقينه بأن كل من في الأرض مِنْ حي أو ميت لا يسعه إلاَّ إتباعُه .
ولو أنه ذكر اسمهم معه ، وقال: قالت الأمة كذا ، وأقول أنا كذا ، لشكرنا صنيعه ، لأنه رضي لنفسه أن ينزل إلى صف أولئك الأئمة إلاَّ أنه لا يفعل ، لأن سحاب الجهل قد غطى على عقله ، فلمع منه برق الغرور ، وهطل وابل الهوى ، فخيل إليه أنه لا وزن إلاَّ لما يقول ، فهو المصيب والأمة بأسرها مخطئة ولا داعي - فما يسول له جهله - لذكر خطأ الأمة بأسرها مع صوابه .
وأخيراً صار العلماء عقبة في طريق الدعوة كما ذكرت في المقدمة .
ولا ندري ماذا تحمل لنا الأيام القادمة في جعبتها إذا ما استمر الأمر على هذه الحالة من الفوضى العلمية في دين الله .
ولا يسعنا إلاَّ أن نقول ما أوصانا به الله عند نزول المصائب:"إنا لله وإنا إليه راجعون".
روى البخاري ، ومسلم ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( يكون بين يدي الساعة أيام ، يرفع فيها العلم ، وينزل فيها الجهل ، ويكثر فيها الهرج ، والهرج القتل ) ).
وقد افتتح الإمام أبو القاسم بن عساكر كتابه (( تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري ) )افتتحه بقول صلى الله عليه وآله وسلم: (( لن تقوم الساعة حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها ) ).
وإن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى:"إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
هم رجال ونحن رجال