وقد لامه بعض أصحابه في تتبع مجالس الشافعي ، وتركه لمجلس شيخه ابن عيينة ، فقال له: إنك إن فاتك حديث بإسناد عالي أدركته بإسناد نازل ، ولكن إن فاتك عقل هذا أخشى أن لا تدرك عقلاً كعقله .
وأنا لا أريد بهذا الكلام أن أتكلم عن مناقب الإمام الشافعي ، فهو واحد من مجهدي هذه الأمة رضوان الله عليهم أجمعين ، وإنما أريد أن يفهم بعض من دقَّ عليه الفهم الفرقَ بين المحدث والعالم الفقيه .
لقد نادي إمام الحرمين الجويني - رحمه الله - تلميذه حجة الإسلام الغَزاليَّ في يوم من الأيام حينما كان في طلبه للعلم عند إمام الحرمين ، ناداه بقوله: يا فقيه ، فتمعَّر وجه الغزالي ، وبدا عليه عدم الرضا ، كأنه تقالّ هذه الكلمة عليه ، وأدرك أستاذه هذا وأراد أن يعرفه بالواقع أنه ما زال دون هذا اللقب ، وأنه إنما خلعه عليه تفاؤلاً منه لطالبه ، لما كان يرى فيه من أمارات النجابة ، وعلامات النبوغ ، فأخذ بيده ، وقاده إلى غرفة كبيرة ، وأمره بفتح بابها ، وإذا بها مملوءة بآلاف المجلدات ، فقال له: ما قيل لي يا فقيه حتى حفظت هذا كله .
أما اليوم ، فقد تبدلت المعايير وتغيرت المفاهيم ، وصار الإنسان - كما ذكرت - يسمى محدث الديار ، وربما زيد له في الألقاب ، وهو من أسوأ الناس حفظاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مع جهل مطبق بأبسط قواعد الاجتهاد والاستنباط .
نهاية ما وصل إليه أمر الجهل والتفيهق
لم يقف أمر التفيهق في التبديل والتغيير ، والتحريف والتزوير عندما ذكرته مع الصور ، ولو وقف عند هذا لهان ، فإن من أسرار هذا الدين أن يفضح كل دَعِيّ فيه ...
إلا أن الأمر تجاوز هذا ، إذا أصبحنا نرى أناساً لا يجيدون القراءة ولا الكتابة ، يخوضون في أحكام الشرع ، ويأتون بالعجائب ، محرفين لشرع الله ، وهادمين لأسسه وقاعدته .