ومن لطائف ونكات معاني القرآن وإعرابه للزجاج:
سُورَة يس
(لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(7)
القول ههنا - واللَّه أعلم - مثل قوله: (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) .
المعنى لقد حق القول على أكثرهم بكفرهم وعِنَادِهم.
أَضَلَّهم اللَّه وَمَنَعَهُمْ مِنَ الهُدَى.
(إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ(8)
وإنما ذكرت الأعناق ولم تذكر الأيدي إيجازاً واختصاراً، لأن الغل يتضمَّنُ العُنُقَ واليَدَ.
(يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ(30)
وقرئت يا حسرةَ الْعِبادِ بغير (على) ، ولكني لا أحب القراءة بشيء خالف المصحف ألبتةَ.
وهذه من أصعب مسألة في القرآن.
إذا قالَ القَائِلُ: ما الفائدة في مناداة الحسرة، والحسرة مما لا يجيب؟
فالفائدة في مناداتها كالفائدة في مناداة ما لا يعقل، لأن النداء باب تنبيه.
إذَا قلت يا زيدُ فإن لم تكن دعوته لتخاطبه لِغير النداء فلا معنى للكلام، إنما تقول يا زيد فتنبهه بالنداء ثم تقول له: فعلت كذا وافعل كذا، وما أحببت مما له فيه فائدة، ألا ترى أنك تقولُ لَمِنْ هُوَ مُقْبِل عَلَيْكَ: يا زيد ما أَحْسَنَ مَا صَنَعْتَ، ولو قلت له: ما أَحْسَن مَا صَنَعْتَ كنت قد بلغت في الفائدة ما أفهمت به، غير أن قولك يا زيد أوكد في الكلام، وأبلغ في الإفهام.
وكذا إذا قلت للمخاطب أنا أعجب مما فعلتَ، فقد - أَفدْتَه أنك متعجب، ولو قلت: واعجباه مما فعلت، ويا عجباه أتفعل كذا وكذا، كان دعاؤك العجب أبلغَ في الفائدة.
والمعنى يَا عَجبُ أقبل، فإنه من أوقاتك، وإنما نَداءُ العَجَبِ تنبيه لتمكن علم المخاطب بالتعجب من فعله.