(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
سورة يس
{وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُون (9) }
إذا قرأتَ قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُون} (يس: 9) لوجدتَ أن الآية الكريمة وضعت: {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} في مقابلة: {مِنْ خَلْفِهِمْ} ، ولا تضاد بينهما على الحقيقة، وإنما التضاد الحقيقي بين من أمامهم ومن خلفهم، ولكن الذي آثره النظم الكريم يفيد التضاد، ويزيد على الضد الحقيقي في المعنى، ولهذا أوثر عليه، ومن هنا كان التضاد في هذا المقام خفيًّا، كان هذا الاستعمال من الطباق الخفي.
{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) }
ومن الطباق الخفي ما ذكره ابن أبي الإصبع في قوله: فقد يقع في الطباق ما هو معنوي كقوله تعالى: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} (يس 15، 16) إذ معناه: ربنا يعلم إنا لصادقون، فالرد على مكذبيهم بأسلوب القصر: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} بقولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} ينقض التهمة من أساسها، ويقوضها؛ لأن أساس الرسالة الأول هو الصدق، فإثبات الرسالة لإنسان يعني إثبات الصدق له، فالرسالة والصدق أمران متلازمان، ومن هنا فُهم معنى الصدق من قولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} .
ومن الطباق الخفي قول الأبيرد الرياحي يرثي أخاه بريدًا:
سلكت سبيل العالمين وما له ... وراء الذي لاقيت معديٌّ ولا قَصر
قال اليزيدي: معدي يعني متقدم، وقصر يعني متأخر، ومعنى هذا أن بين معني معدي وقصر تضادًّا وإن كان هذا التضاد غير ظاهر، فليس كل إنسان قادرًا على إدراك هذا التضاد هنا، فانظر إلى قول سلامة بن جندل:
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب