وقرأ الجمهور: {وَمَنْ تَزَكَّى} فعلًا ماضيًا {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى} فعلًا مضارعًا من تزكى، وقرأ العباس عن أبي عمرو: {ومن يزكى فإنما يزكى} بالياء من تحت وشد الزاي فيهما، هما مضارعان أصلهما: ومن يتزكى، أدغمت التاء في الزاي، كما أدغمت في الذال في قوله: {يذكرون} ، وقرأ ابن مسعود وطلحة: {ومن ازكى} بإدغام التاء في الزاي، واجتلاب همزة الوصل في الابتداء، وطلحة أيضًا، فإنما يزكى بإدغام التاء في الزاي. {وَإِلَى اللَّهِ} سبحانه وتعالى، {الْمَصِيرُ} ؛ أي: الرجوع للمجازاة، لا إلى غيره استقلالًا ولا اشتراكًا، فيجازيهم على تزكيهم أحسن الجزاء.
ومعنى الآية: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ...} الخ؛ أي: إنما يجدي النصح والإنذار لدى من يخشون الله سبحانه، ويخافون شديد عقابه يوم القيامة من غير معاينة منهم لذلك، بل لإيمانهم بما أتيت به، وتصديقهم لك فيما أنبات به عن ربك، فهؤلاء هم الذين ينفعهم إنذارك ويتعظون بمواعظك، لا من طبع الله على قلوبهم، فهم لا يفقهون إلى أنهم يؤدون الصلاة المفروضة عليهم، ويقيمونها على ما رسمه الدين، فهي التي تطهر قلوبهم، وتقربهم من ربهم حين مناجاتهم له، كما جاء في الحديث: أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"."
والخلاصة: أنه إنما ينفع إنذارك وتخويفك من يخشى بأس الله وشديد عقابه، دون من عداهم من أهل التمرد والعناد، ثم حثَّ على الأعمال الصالحة، وأبان أن فائدتها عائدة إليهم، فقال: {وَمَنْ تَزَكَّى} الخ؛ أي: ومن يتطهر من أدناس الشرك وأوضار الذنوب والمعاصي .. فنفع ذلك عائد إليه، كما أن من يتدسى بالذنوب والآثام .. فضرر ذلك راجع إليه، وإلى الله سبحانه مصير كلِّ عامل، وهو مجازيه بما قدم من خير أو شر على ما جنى وأثل لنفسه.
والحاصل: أن الله سبحانه ذكر أولًا أنه لا يحمل أحد ذنب أحد، ثم ذكر ثانيًا أن المذنب إن دعا غيره، ولو كان من قرابته إلى حمل شيء من ذنوبه لا يحمل، ثم ذكر ثالثًا أن ثواب الطاعة مختص بفاعلها ليس لغيره منه شيء،