فصل في استدراكات وتعليقات على تفسير الثعلبي
قال الإمامُ ابن المظفَّر الرازي:
سورة فاطر
173 -قال في قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ(19) :
"يعني العالم والجاهل، (وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ) يعني الكفر والإيمان".
قلت: ليس هذا تفسير واضح، وإنما الواضح أن تقول ولا الكفر ولا
الإيمان، ولو قلنا كذلك لا يستقيم أيضاً؛ لأن الاستواء إنما يكون بين شيئين
كما يقال: لا يستوي زيد وعمرو، فأمَّا أن يقال: لا يستوي زيد لا يكون المراد
نفي المساواة بينه وبين شيء آخر. فإذا قلت: لا يستوي زيدٌ، وأنت تريد نفي
المساواة بينه وبين آخر فلا بد أن تقول: وعمرو. فإذا قلت: ولا عمرو. فقد
نفيت المساواة بين عمرو وحده من غير ذكر آخر فلا يتم، قال الله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ)
وقال ههنا: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)
فوجه ذلك والله أعلم أن تجعل (لا) صلَةً في قوله: (وَلَا النورُ) وفي قوله:
(وَلَا الحَرُورُ) (وَلَا الأموَاتُ) فيكون تقديره: ولا الظلمات والنور، ولا الظل
والحرور، وما يستوي الأحياء والأموات كقوله: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) أي يرجعون، وقوله: (مَا مَنَعَكَ ألَّا تَسجُدَ) أي تَسْجد،
وقوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) أي ليعلم وأمثالها. وهذا بخلاف قوله
(لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) ولم يقل: ومن أنفق من بعد
الفتح؛ لأن هناك أظهر ما أضمره بقوله: (أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا)
وليس كذلك ههنا والله أعلم.
ويشبه أن تكون (لَا) في قوله: (وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ) لتأكيد نفي المساواة
كأنه قال: لا تستوي الظلمات وضدها، ولا النور وضده، كما يقال: ليس
عمرو مثل زيد، ولا زيد مثل عمرو وليس في نفي التشبيه نفي كل واحد
منهما والله أعلم. انتهى انتهى. {مباحث التفسير / لابن المظفَّر صـ 254 - 256} .