ثم يقول الحق سبحانه:
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) }
أولاً: لاحظ أن هذه الآية هي التي ستفسر لنا مسألة أن يس قلب القرآن.
قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ (13) } [يس] نعرف أن الضرب هو إيقاع جسم على جسم بقوة بحيث يؤثر الجسم الضارب في المضروب ويؤلمه، لذلك لابد أن يكون الضارب أقوى من المضروب، فإذا كان المضروب مثل الضارب أو أقوى منه، فالحركة عبث لا جدوى منها.
ومن ذلك قول الرافعي رحمه الله مخاطباً من يهزأ من قدر الله:
أَيّا هَازِئَا مِن صُنُوْف الْقَدْر ... بِنَفْسِك تُعَنِّف لَا بِالْقَدَر
وَيَا ضَارِبَا صَخْرَة بِالْعَصَا ... ضُرِبَت الْعَصَا أَم ضُرِبَت الْحَجَر
وفي مادة ضرب يقولون: ضريب الشيء من ضربه يعني من شبهه وشكله، فإن وقف اثنان في مسألة ما، اذكر لهما مثلاً مطابقاً لها وقل لهما: هذه مثل هذه. وأكرم مثل في القرآن ضربه الله تعالى لبيان تنويره سبحانه للكون لا لنوره، كما يظن البعض، هو قوله سبحانه: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ. . (35) } [النور]
هذا مثل لتنوير الله للمنور، وليس مثلاً لنور الله تعالى، لأن نور الله كمال لا يحد، وما نحيا به من نور الدنيا إنما هو من متعلقات نوره سبحانه، بدليل أنه في يوم القيامة لا تكون هناك شمس تنير، ولا قمر يضيء، إنما {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا (69) } [الزمر]
وقال: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان]