الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَالْيَوْمَ}
يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ {لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} كَذَلِكَ رَبُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسًا شَيْئًا، فَلَا يُوفِيهَا جَزَاءَ عَمَلِهَا الصَّالِحِ، وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا وِزْرَ غَيْرِهَا، وَلَكِنَّهُ يُوفِي كُلَّ نَفْسٍ أَجْرَ مَا عَمِلَتْ مِنْ صَالِحٍ، وَلَا يُعَاقِبُهَا إِلَّا بِمَا اجْتَرَمَتْ وَاكْتَسَبَتْ مِنْ شَيْءٍ {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
يَقُولُ: وَلَا تُكَافَؤُونَ إِلَّا مُكَافَأَةَ أَعْمَالِكُمُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الشُّغُلِ الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ: أَنَّهُمْ فِي نِعْمَةٍ.
عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «شُغُلُهُمُ النَّعِيمُ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ» .
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُمْ فِي شُغُلٍ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} وَهُمْ أَهْلُهَا {فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} بِنِعَمٍ تَأْتِيهِمْ فِي شُغُلٍ، وَذَلِكَ
الشُّغُلُ الَّذِي هُمْ فِيهِ نِعْمَةٌ، وَافْتِضَاضُ أَبْكَارٍ، وَلَهْوٌ وَلَذَّةٌ، وَشُغُلٌ عَمَّا يَلْقَى أَهْلُ النَّارِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {فِي شُغُلٍ} فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ: (فِي شُغْلٍ) بِضَمِّ الشِّينِ وَتَسْكِينِ الْغَيْنِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الضَّمُّ فِي الشِّينِ وَالتَّسْكِينُ فِي الْغَيْنِ، وَالْفَتْحُ فِي الشِّينِ وَالْغَيْنِ جَمِيعًا فِي شَغَلٍ.