الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، الْمُكَذِّبِينَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْذَرُوا مَا مَضَى بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِنْ نَقْمِ اللَّهِ وَمَثُلَاتِهِ بِمَنْ حَلَّ ذَلِكَ بِهِ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ أَنْ يَحِلَّ مِثْلُهُ بِكُمْ بِشِرْكِكُمْ وَتَكْذِيبِكُمْ رَسُولَهُ
{وَمَا خَلْفَكُمْ}
يَقُولُ: وَمَا بَعْدَ هَلَاكِكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ لَا قُوَّةَ إِنْ هَلَكْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ.
{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
يَقُولُ: لِيَرْحَمَكُمْ رَبُّكُمْ إِنْ أَنْتُمْ حَذِرْتُمْ ذَلِكَ، وَاتَّقَيْتُمُوهُ بِالتَّوْبَةِ مِنْ شِرْكِكُمْ وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَلُزُومِ طَاعَتِهِ فِيمَا أَوْجَبَ عَلَيْكُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {وَإِذَا قِيلَ: لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} «وَقَائِعَ اللَّهِ فِيمَنْ خَلَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ»
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} قَالَ: «مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِمْ»
وَهَذَا الْقَوْلُ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي قُلْنَا، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: اتَّقُوا عُقُوبَةَ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، وَمَا خَلْفَكُمْ مِمَّا تَعْمَلُونَ مِنَ الذُّنُوبِ وَلَمْ تَعْمَلُوهُ بَعْدُ، فَذَلِكَ بَعْدَ تَخْوِيفٍ لَهُمُ الْعِقَابَ عَلَى كُفْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا تَجِيءُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ آيَةٌ، يَعْنِي حُجَّةً مِنْ حُجَجِ اللَّهِ، وَعَلَامَةً مِنْ عَلَامَاتِهِ عَلَى حَقِيقَةِ تَوْحِيدِهِ، وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ، إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ، لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا، وَلَا يَتَدَبَّرُونَهَا، فَيَعْلَمُوا بِهَا مَا احْتَجَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَا
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَأَيْنَ جَوَابُ قَوْلِهِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} ؟