{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) }
كأن سائلاً سأل وهل يستحق الكفار كلَّ هذا العذاب وهذا الغضب من الله تعالى؟ فيجيب الحق سبحانه نعم، يستحقون لأن الله نبَّههم وحذرهم فلم يستجيبوا، ذلك في قوله تعالى {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ} يس 60. فالحق سبحانه لم يأخذكم على غِرَّة، إنما نبَّهكم وبيَّن لكم مداخل الشيطان وحبائله وحِيلَه لأن الشيطان من خيبته رمى بكل مداخله مع المؤمنين أمام الله، فحذرنا الله منها، وبيَّن لنا عداوته لنا، وعداوته المسبقة مع آدم عليه السلام منذ أنْ أُمِر بالسجود فأبى. ولم يَنْتهِ أمره عند عدم السجود، إنما أغوى آدم، وأراد أن ينتقم منه ومن ذريته من بعده، بل وأقسم على ذلك أمام خالقه سبحانه، فقال بجبروت الإغواء كما حكى القرآن
{فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}
ص 82 لكنه تذكر عبوديته الحقة للرب الأعلى، فقال
{إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}
ص 83. فهؤلاء لا مدخلَ لي إليهم، والمعنى أن الخصومة ليست بيني وبينك، إنما بيني وبين آدم. وحين أقسم إبليس، أقسم قسماً يؤكد قدرته على ما يهدد به، فمثلاً سحرة فرعون حين أقسموا قالوا
{بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ}
الشعراء 44. أمَّا إبليس فيعرف جيداً كيف يقسم، فقال
{فَبِعِزَّتِكَ}
ص 82 يعني باستغنائك عن خَلْقك، مَنْ شاء فليؤمن، ومَنْ شاء فليكفر، هذا هو الباب الذي سأدخل منه إليهم، أمَّا من تريده أنت يا رب، فلا أستطيع أن أقترب منه. ومعنى {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ} يس 60 يعني آمركم كما في قوله تعالى
{وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}
طه 115. يقول تعالى ألم آمركم يا بني آدم أنْ تحذروا مكايد الشيطان، وأن تتنبَّهوا إلى مداخله إليكم وشباكه وخططه، ألم يقل هو نفسه
{لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}