ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
سورة الصافات
{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) }
فإن قلت: ما الحكمة في ذكر القسم هنا، لأنه إن كان المقصود المؤمنين، فلا حاجة إليه؛ لأنهم مصدقون ولو من غير قسم. وإن كان المقصود الكفار، فلا حاجة إليه أيضًا، لأنهم غير مصدقين على كل حال؟
قلت: إن الحكمة في القسم، تأكيد الأدلة التي تقدم تفصيلها في سورة يس، ليزداد الذين آمنوا إيمانا ويزداد الكافرون بعدًا وطردًا.
أو الحكمة فيه تعظيم المقسم به، وإظهار شرفه، وتأكيد المقسم عليه على ما هو المألوف في كلامهم. وقد أنزل القرآن على لغتهم، وعلى أسلوبهم في محاوراتهم. وقيل: تقدير الكلام فيها وفي أمثالها: ورب الصافات، ورب الشمس، ورب الضحى، ورب التين والزيتون، ورب الذاريات، ورب النجم إلى غير ذلك.
{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5) }
فإن قلت: لم جمع هنا {الْمَشارِقِ} وحذف مقابله، وثنّاه في الرحمن، وجمعه في المعارج، وأفرده في المزمل مع ذكر مقابله في الثلاثة؟
قلت: لأن القرآن نزل على المعهود من أساليب كلام العرب وفنونه. ومنها: الإجمال والتفصيل، والذكر والحذف، والجمع والتثنية، والإفراد باعتبارات مختلفة. فأفرد وأجمل في المزمل بقوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} ، لأنه أراد بهما: الجهة، فالمشرق جهة والمغرب جهة. وجمع وفصّل في المعارج بقوله: {فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ} ؛ لأنه أراد جميع مشارق السنة ومغاربها، وهي تزيد على سبعمائة.
وثنّى وفصّل في الرحمن، لأنه أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربهما.