{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) }
القسم لتأكيد الخبر مَزيدَ تأكيد لأنه مقتضى إنكارهم الوحدانية، وهو قسم واحد والمقسم به نوع واحد مختَلف الأصناف، وهو طوائف من الملائكة كما يقتضيه قوله: {فالتَّالِيَاتِ ذِكْراً} .
وعطف"الصِّفات"بالفاء يقتضي أن تلك الصفات ثابتة لموصوف واحد باعتبار جهة ترجع إليها وحدته، وهذا الموصوف هو هذه الطوائف من الملائكة فإن الشأن في عطف الأوصاف أن تكون جارية على موصوف واحد لأن الأصل في العطف بالفاء اتصال المتعاطفات بها لما في الفاء من معنى التعقيب ولذلك يعطفون بها أسماء الأماكن المتصللِ بعضها ببعض كقول امرئ القيس:
بِسِقط اللِّوَى بين الدَّخول فَحَوْمَل ... فتُوضِحَ فالمقرةِ ... البيت
وكقول لبيد:
بمشارق الجبليين أو بمحجر ... فتضمنتها فَردَه فمرخاها
فصدائق إن أيْمَنت فمظنة البيت
ويعطفون بها صفاتتِ موصوف واحد كقول ابن زيَّابة:
يا لهف زيَّابة للحارث ال ... صابح فالغَانم فالآيب
يريد صفات للحارث، ووصفه بها تهكماً به.
فعن جماعة من السلف: أن هذه الصفات للملائكة.
وعن قتادة أن"التاليات ذكراً"الجماعة الذين يتلون كتاب الله من المسلمين.
وقسَمُ الله بمخلوقاته يُومئ إلى التنويه بشأن المقسم به من حيث هو دَالّ على عظيم قدرة الخالق أو كونه مشرّفاً عند الله تعالى.
وتأنيث هذه الصفات باعتبار إجرَائها على معنى الطائفة والجماعة ليدل على أن المراد أصناف من الملائكة لا آحادٌ منهم.
و {الصافات} جمع: صافة، وهي الطائفة المصطفّ بعضها مع بعض.
يقال: صف الأمير الجيش، متعدياً إذا جعله صفاً واحداً أو صفوفاً، فاصطفوا.
ويقال: فَصَفُّوا، أي صاروا مصطفِّين، فهو قاصر.
وهذا من المطاوع الذي جاء على وزن فعله مثل قول العجاج:
قد جَبر الدينَ الإِله فجَبَر ...