ثم استثنى المؤمنين حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) ؛ فإنهم لا يذوقون العذاب الأليم، وإلا لو كانوا مستثنين من قوله: (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، أو لا؛ يكون لهذا حق الاستثناء من الأول، ولكن الابتداء ذلك جائز في اللغة سائغ في اللسان، واللَّه أعلم.
ثم بين ما أعد للمخلصين فقال: (أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ(41)
فَإِنْ قِيلَ: كيف يجمع بين قوله: (يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، وبين قوله: (لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) ؟!
قَالَ بَعْضُهُمْ من أهل التأويل: يعني المعلوم حين يشتهونه يؤتون به.
ويحتمل أن يكون للكثير الذي لا يحسب ولا يعد؛ لكثرته هو في نفسه معلوم محدود.
أو أن يريد بالمعلوم: أنه صار ما وعدوا في الدنيا لهم في الآخرة معلومًا معروفًا عند الوصول إليه كان ذلك لهم موعودًا، فإذا وصلوا إليه، صار معلومًا محدودًا.
وقوله: (فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ(42)
أي: معظمون مشرفون.
وقوله: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46)
يخبر أن لهم في الجنة ما يستحبون ويختارون في الدنيا من الجلوس على السرر على المواجهة والمقابلة والشرب على ذلك، والكأس: قيل: كل إناء أو قدح فيه شراب فهو كأس.
وقوله: (بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) .
المعين قَالَ بَعْضُهُمْ: هو الجاري، وكأنه يخبر أن خمور أهل الجنة تجري في الأنهار؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) .
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المعين: هو الظاهر الذي يقع البصر عليه؛ كقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) ، أي: [ظاهر] .