{أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) }
الألف من قوله {أذلك} للتقرير، والمراد تقرير قريش والكفار، وجاء بلفظة التفضيل بين شيئين لا اشتراك بينهما من حيث كان الكلام تقريراً، والاحتجاج يقتضي أن يوقف المتكلم خصمه على قسمين: أحدهما فاسد ويحمله بالتقرير على اختبار أحدهما ولو كان الكلام خبراً لم يجز ولا أفاد أن يقال الجنة خير من {شجرة الزقوم} وأما قوله تعالى {خير مستقراً} [الفرقان: 24] فهذا على اعتقادهم في أن لهم مستقراً جيداً وقد تقدم إيعاب هذا المعنى.
قال القاضي أبو محمد: وفي بعض البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة مرة مسمومة لها لبن إن مس جسم أحد تورهم، ومات منه في أغلب الأمر تسمى شجرة الزقوم، والتزقم في كلام العرب البلع على شدة وجهد، وقوله تعالى: {إنا جعلناها فتنة للظالمين} قال قتادة والسدي ومجاهد: يريد ابا جهل ونظراءه وذلك أنه لما نزلت {أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم} ، قال الكفار، وكيف يخبر محمد عن النار أنها تنبت الأشجار وهي تأكلها وتذهبها ففتنوا بذلك أنفسهم وجهلة من أتباعهم، وقال أبو جهل: إنما الزقوم التمر بالزبد ونحن نتزقمه، وقوله {في أصل الجحيم} معناه ملاصق نهاياتها التي لها كالجدرات، وفي قراءة ابن مسعود"إنها شجرة ثابتة في أصل الجحيم"، وقوله تعالى: {كأنه رؤوس الشيطان} اختلف الناس في معناه، فقالت فرقة: شبه بثمر شجرة معروفة يقال لها {رؤوس الشياطين} وهي بناحية اليمن يقال لها الأستق، وهو الذي ذكر النابغة في قوله:"تحيد من أستق سوداً أسافله". ويقال إنه الشجرة الذي يقال له الصوم وهو الذي يعني ساعدة بن جوبة في قوله:
موكل بشدوق الصوم يرقبها ... من المغارب مخطوف الحشا زرم
وقالت فرقة: شبه ب {رؤوس} صنف من الحيات يقال لها الشياطين وهي ذوات أعراف ومنه قول الشاعر: [الرجز]