وقوله تعالى: {قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ} : أي حققت ما نبهناك عليه، وفعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما منعناك.
هذا أصح ما قيل به في هذا الباب.
وقالت طائفة: ليس هذا مما ينسخ بوجه؛ لأن معنى ذبحت الشيء قطعته.
واستدل على هذا بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم لا تنظر إليّ فترحمني، ولكن اجعل وجهي إلى الأرض؛ فأخذ إبراهيم السكين فأمَرَّها على حلقه فانقلبت.
فقال له مالَكَ؟ قال: انقلبت السكين.
قال اطعني بها طعناً.
وقال بعضهم: كان كلما قطع جزءاً التأم.
وقالت طائفة: وجد حَلقه نحاساً أو مغشًّى بنحاس، وكان كلما أراد قطعاً وجد منعاً.
وهذا كله جائز في القدرة الإلّهية، لكنه يفتقر إلى نقل صحيح، فإنه أمْر لا يدرك بالنظر وإنما طريقه الخبر.
ولو كان قد جرى ذلك لبيَّنه اللّه تعالى تعظيماً لرتبة إسماعيل وإبراهيم صلوات اللّه عليهما، وكان أولى بالبيان من الفِداء.
وقال بعضهم: إن إبراهيم ما أُمر بالذبح الحقيقي الذي هو فَرْي الأوداج وإنهار الدم، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي، فلما أتى بما أمر به من الإضجاع قيل له:"قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا"وهذا كله خارج عن المفهوم.
ولا يظن بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر ما ليس له حقيقة حتى يكون منهما التوهم.
وأيضاً لو صحت هذه الأشياء لما احتيج إلى الفداء.
الرابعة قوله تعالى: {فانظر مَاذَا ترى} قرأ أهل الكوفة غير عاصم"مَاذَا تُرِي"بضم التاء وكسر الراء من أرِيَ يُرِي.
قال الفرّاء: أي فانظر ماذا ترى من صبرك وجزعك.
قال الزجاج: لم يقل هذا أحد غيره، وإنما قال العلماء ماذا تشير؛ أي ما تريك نفسك من الرأي.
وأنكر أبو عبيد:"تُرِي"وقال: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصة.
وكذلك قال أبو حاتم.