وَقَوْلُهُ: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ}
قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَقْبَلَ الْإِنْسُ عَلَى الْجِنِّ، يَتَسَاءَلُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتِ الْإِنْسُ لِلْجِنِّ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الْجِنُّ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا مِنْ قَبْلُ الدِّينَ وَالْحَقَّ فَتَخْدَعُونَنَا بِأَقْوَى الْوجُوهِ؛ وَالْيَمِينُ: الْقُوَّةُ وَالْقُدْرَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ
يَعْنِي: بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: {تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} قَالَ: «عَنِ الْحَقِّ، الْكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلشَّيَاطِينِ»
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ:"قَالَتِ الْإِنْسُ لِلْجِنِّ: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ، قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْخَمْرِ، فَتَنْهَوْنَنَا عَنْهُ، وَتُبَطِّئُونَنَا عَنْهُ"
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"قَالَ بَنُو آدَمَ لِلشَّيَاطِينِ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ، قَالَ: تَحُولُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْخَيْرِ، وَرَدَدْتُمُونَا عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، وَالْعَمَلِ بِالْخَيْرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ"
وَقَوْلُهُ: {قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتِ الْجِنُّ لِلْإِنْسِ مُجِيبَةً لَهُمْ: بَلْ لَمْ تَكُونُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُقِرِّينَ، وَكُنْتُمْ لِلْأَصْنَامِ عَابِدِينَ {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ}
يَقُولُ: قَالُوا: وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ حُجَّةٍ، فَنَصُدَّكُمْ بِهَا عَنِ الْإِيمَانِ، وَنَحُولُ بَيْنَكُمْ مِنْ أَجَلِهَا وَبَيْنَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ
{بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ}
يَقُولُ: قَالُوا لَهُمْ: بَلْ كُنْتُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ قَوْمًا طَاغِينَ عَلَى اللَّهِ، مُتَعَدِّينَ إِلَى مَا لَيْسَ لَكُمُ التَّعَدِّي إِلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَخِلَافِ أَمْرِهِ.
عَنِ السُّدِّيِّ: {قَوْمًا طَاغِينَ} قَالَ: «كُفَّارٌ ضُلَّالٌ» .