وأما التكذيب بالنبوة فهو قولهم: {أئنا لَتَارِكُوا ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُون} ويعنون محمداً، ثم إنه تعالى كذبهم في ذلك الكلام فقال: {بَلْ جَاء بالحق وَصَدَّقَ المرسلون} وتقرير هذا الكلام أنه جاء بالدين الحق لأنه ثبت بالعقل أنه تعالى منزه عن الضد والند والشريك فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بتقرير هذه المعاني كان مجيئه بالدين الحق، قرأ ابن كثير {أَيُّنَا لتاركوا ءالِهَتِنَا} بهمزة وياء بعدها خفيفة ساكنة بلا مد، وقرأ نافع في رواية قالون وأبو عمرو على هذا التفسير يمدان والباقون بهمزتين بلا مد وقوله تعالى: {وَصَدَقَ المرسلون} (1) يعني صدقهم في مجيئهم بالتوحيد ونفي الشريك، وهذا تنبيه على أن القول بالتوحيد دين لكل الأنبياء، ولما حكى الله عنهم تكذيبهم بالتوحيد والنبوة نقل الكلام من الغيبة إلى الحضور فقال: {إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا العذاب الأليم} كأنه قيل فكيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عباده فأجاب عنه بقوله: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} والمعنى أن الحكم يقتضي الأمر بالحسن والطاعة والنهي عن القبيح والمعصية والأمر والنهي لا يكمل المقصود منهما إلا بالترغيب في الثواب والترهيب بالعقاب وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحقيقه صوناً للكلام عن الكذب، فلهذا السبب وقعوا في العذاب. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 26 صـ 116 - 118}
(1) وصدق المرسلون في المصحف مرفوعة بالواو والنون. ولكن المفسر جرى في تفسيره على أنها منصوبة بالياء والنون ومعنى قراءة الرفع أن المرسلين صدقوا في كل ما أخبروا به وإنما شدد الدال من صدق للمبالغة في وصفهم بالصدق.
وقراءة الرفع عامة تشمل جميع الأنبياء ومنهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأما قراءة النصب فلا تشمل نبينا عليه السلام إذ يكون الخطاب عنه.