ومن لطائف ونكات تفسير ابن الجوزي:
سورة الصّافّات
(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ(5)
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ ترك ذِكْر المَغارب؟
فالجواب: أن المشارق تَدُلُّ على المَغارب، لأنّ الشّروق قبل الغروب.
قوله تعالى: (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى)
وإنما قال: إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى لأن العرب تقول: سمعتُ فلاناً، وسمعتُ من فلان، وإلى فلان.
قوله تعالى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ(65)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف شبَّهها بشيءٍ لم يُشاهَد؟
فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه قد استقرَّ في النفوس قُبح الشياطين - وإِن لم تُشاهَد - فجاز تشبيهها بما قد عُلِمَ قُبحه، قال امرؤ القيس:
أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي ... ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كأَنْيَاب أغْوالِ
قال الزجاج: هو لم ير الغُول ولا أنيابها، ولكن التمثيل بما يُستقبَح أبلغ في باب المذكّر أن يُمثَّل بالشياطين، وفي باب المؤنَّث أن يشبَّه بالغُول.
والثاني: أنّ بين مكّة واليمن شجرا يسمى رؤوس الشياطين، فشبَّهها بها، قاله ابن السائب.
والثالث: أنه أراد بالشياطين: حيّات لها رؤوس ولها أعراف، فشبّه طلعها برءوس الحيّات، ذكره الزجاج.
قال الفراء: والعرب تسمِّي بعض الحيّات شيطاناً، وهو حيّة ذو عُرْف قبيحُ الوجه.
(فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ)
فيه قولان:
أحدهما: أنه نظر في عِلم النجوم، وكان القومُ يتعاطَوْن عِلْم النُّجوم، فعاملهم من حيث هم، وأراهم أنِّي أَعلمُ من ذلك ما تعلَمونَ، لئلا يُنْكِروا عليه ذلك.
قال ابن المسيّب: رأى نجماً طالعاً، فقال: إِنِّي مريض غداً.
والثاني: أنه نظر إلى النجوم، لا في عِلْمها.
«فَإِنْ قِيلَ» : فما كان مقصوده؟
فالجواب أنه كان لهم عيد، فأراد التخلُّف عنهم لِيَكِيدَ أصنامَهم، فاعْتَلَّ بهذا القول.