(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
فأما قوله: {إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} و {لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} وقولهم: كيف يكون في النار نبت وشجر؟
فإنّه لا تعلق لهم فيه، إن كان كنّى بذلك الضريع وشجرة الزقوم عن جوعهم، وأنّهم لا يشبعون وعن شيء مشبه لشجرة تشبه رءوس الشياطين في قبح منظرها، فليس هناك نبت ولا شجر، وإنّما ذلك أمثال وتشبيه، وإذا كان أراد تعالى تحقيق نبت وشجر يخرج من النّار، فإنّ ذلك غير مستحيل.
وأمّا قولهم أنّه لا معنى لتمثيل طلع الشجرة برءوس الشياطين من وجهين:
أحدهما: أن الشجرة لا طلع لها وإنّما يكون الطلع دون الشجر.
والوجه الآخر: أننا لا نعرف رءوس الشياطين، وليس هو ما تعرفه العرب، فيمثل لها به بعض الأشياء، فإنّه باطل لأنّه إنّما أراد بقوله تعالى: {طلعها} ثمرها لطلوعه كل سنة ومنه سمي طلع النخل طلعا عند أول خروجه، مأخوذ ذلك من طلوعه، فإذا تغيّرت حاله وانتقل إلى حكم آخر سمي باسم آخر من بلح وبسر ورطب، فطلعها المراد به ثمرها الطالع، وأما الشياطين التي مثلها برءوسها فإنّها حيات خفيفات الأجسام قبيحات المناظر والرءوس.
قال الشاعر:
عجين تحلف حين أخلف ... كمثل شيطان الحماط أعرف
يريد كأنه حية تأوي الحماط، والحماط شجر، والأعرف الحية من هذا الذي له عرف، والعرب تقول إذا رأت منظرا قبيحا كأنه شيطان الحماط، وقال يشبّه التواء زمام ناقته بتلوّي الحية:
تقلب مني حضرميّ كأنه ... تعمج شياطين بذي خروع قفر
يزيد تشبيه تلوّي زمامها بتلوّي هذه الحية التي تسمى شيطان، ولم يرد الشياطين الذين هم الجن، وإذا كان ذلك كذلك بطل تعجّبهم وزال تمويههم. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...